ويلٌ للعرب… من شرٌّ قد إقترب

ليس ما يجري مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل معادلة صدامية واضحة: الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل في جهة، وإيران في الجهة الأخرى. صراع تتجاوز حساباته حدود الرد والردع، ليصبح معركة على شكل الإقليم وهويته وتوازناته لعقود مقبلة. ومهما تكن نتيجة هذه الحرب، فإن الحقيقة الثابتة أن الوطن العربي سيكون الساحة الأكثر تأثرًا، والأكثر دفعًا للكلفة.
الصدام بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يدور في فراغ جغرافي. إنه يدور في قلب المنطقة العربية، في فضائها البحري، وفي أسواق طاقتها، وعلى تماس مباشر مع حدودها السياسية وأمنها الداخلي. لذلك فإن أي انتصار حاسم لأي طرف لن يكون حدثًا معزولًا، بل لحظة مفصلية تعيد صياغة ميزان القوى في الشرق الأوسط كله.
الخطورة الكبرى لا تكمن فقط في استمرار الحرب، بل في احتمال انتصار الكيان الإسرائيلي مدعومًا بالقوة الأمريكية، وما قد يتبع ذلك من إعادة تشكيل الداخل الإيراني عبر استبدال النظام القائم بآخر موالٍ ومنسجم مع الرؤية الأمريكية الإسرائيلية. عندها لن يكون الأمر مجرد تغيير سياسي داخل دولة إقليمية، بل تحولًا استراتيجيًا عميقًا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الهيمنة غير المسبوقة.
انتصار كهذا قد يمنح المشروع الإسرائيلي دفعة توسعية سياسية وأمنية، ويغذي طموحات قديمة تتعلق بترسيخ التفوق المطلق وفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر تكريس اختلال موازين القوى أو إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي بما يخدم الرؤية الإسرائيلية وحدها. وعندها سيصبح الحديث عن إسرائيل الكبرى ليس شعارًا أيديولوجيًا متداولًا في أدبيات متشددة، بل تصورًا يجد بيئة إقليمية مهيأة بفعل انهيار موازين الردع المقابلة.
في المقابل، حتى استمرار الحرب دون حسم سيعني استنزافًا طويلًا، واهتزازًا اقتصاديًا وأمنيًا، وتغذيةً لصراعات داخلية في أكثر من ساحة عربية. أي أن العرب خاسرون في الحالتين إن لم يتحركوا ضمن رؤية جماعية واعية.
من هنا يصبح المطلوب أكثر من بيانات شجب أو اصطفافات ظرفية. المطلوب وعي سياسي ناضج لدى قادة وأنظمة الوطن العربي بأن المرحلة تستدعي بناء منظومة مشتركة للدفاع والتعاون، منظومة تقوم على التنسيق الأمني، والتكامل الاقتصادي، ورسم سياسة خارجية متوازنة تحمي المصالح العربية أولًا.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية الدور القيادي لكل من المملكة العربية السعودية ومصر. فالمملكة العربية السعودية بثقلها الاقتصادي والسياسي وقدرتها على التأثير في أسواق الطاقة والعلاقات الدولية، ومصر بوزنها الجيوسياسي وموقعها الاستراتيجي وخبرتها التاريخية في إدارة التوازنات الإقليمية، تمثلان معًا محورًا قادرًا على بلورة رؤية عربية جامعة تعيد الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي.
المرحلة خطيرة، والتحولات عميقة، والرهانات كبرى. إما أن يبقى العرب متلقين لنتائج صراعات الآخرين، وإما أن يتحولوا إلى فاعلين يصوغون معادلاتهم بأنفسهم. ويلٌ للعرب إن انتظروا حتى تتشكل الخريطة الجديدة دون أن يكون لهم يد في رسمها. وويلٌ أقل إن أدركوا أن وحدة الموقف ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط بقاء في زمن التحولات الكبرى.
بقلم د.فوزان العبادي



















