التحركات العسكرية الأوروبية في الشرق الأوسط بين احتواء التصعيد واحتمالات الحرب الإقليمية

اللواء الركن المتقاعد: محمد سالم جرادات
تعاظم التصعيد العسكري في المنطقة بعد الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، فمنذ 28 فبراير/شباط أوقعت الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران خسائر جسيمة، كان أبرزها القضاء على المرشد الأعلى وعدد من القيادات العليا في النظام الإيراني، إضافة إلى مقتل 49 شخصية رفيعة المستوى بحسب ما أعلنه الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض، فضلاً عن تدمير ما يقارب 80% من قدرات الدفاع الجوي الإيرانية، وقد أعقب هذه الضربات ردّ إيراني تمثل في إطلاق موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف إسرائيلية وقواعد عسكرية في المنطقة، الأمر الذي أعاد الشرق الأوسط إلى حالة من التوتر الاستراتيجي الحاد وأدخل الإقليم في مرحلة جديدة من عدم اليقين الأمني.
وفي خضم هذه التطورات المتسارعة، برزت خطوة لافتة تمثلت في إعلان عدد من الدول الأوروبية منذ 3 مارس/آذار عن إرسال قوات أو تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط، ولا سيما في الخليج العربي وشرق البحر المتوسط ، لا يمكن وصف هذه التحركات بأنها إجراءات عسكرية محدودة أو ردود فعل ظرفية، بل ينبغي فهمها ضمن سياق استراتيجي أوسع يرتبط بتقديرات أوروبية لاحتمال توسع الصراع الإقليمي وتداعياته على الأمن الدولي والاقتصاد العالمي. فالمؤشرات تشير إلى أن هذه التحركات تعكس إدراكاً متزايداً لدى الدول الأوروبية بأن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً من عدم الاستقرار.
فقد أعلنت إيطاليا عن استعدادها لتقديم دعم دفاعي لبعض دول الخليج من خلال إرسال أنظمة دفاع جوي وقدرات مراقبة متقدمة، إضافة إلى تعزيز وجودها البحري في شرق البحر المتوسط بهدف حماية خطوط الملاحة وتأمين المصالح الأوروبية، وفي المقابل، أرسلت المملكة المتحدة مقاتلات إضافية إلى قواعدها في الخليج ورفعت مستوى الجاهزية في قواعدها في جزيرة قبرص، لضمان القدرة على الردع والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في المنطقة ، أما فرنسا فقد عززت حضورها العسكري في شرق المتوسط عبر تحريك سفن حربية وتعزيز انتشارها الجوي، انطلاقاً من اعتبار منطقة شرق المتوسط امتداداً مباشراً لمجالها الأمني الاستراتيجي. كما تستعد إسبانيا وهولندا واليونان للمشاركة في عمليات حماية الملاحة والمراقبة البحرية في شرق المتوسط ضمن إطار جهد أوروبي مشترك، في حين ركزت ألمانيا على تقديم الدعم السياسي واللوجستي لتعزيز موقف أوروبي موحد تجاه الأزمة.
وتعكس هذه التحركات تحولاً ملحوظاً في المقاربة الأوروبية للأمن في الشرق الأوسط، حيث لم تعد القارة الأوروبية تكتفي بدور المراقب أو الداعم السياسي، بل تسعى بصورة متزايدة إلى لعب دور مباشر في إدارة الأزمات الإقليمية وحماية مصالحها الاستراتيجية، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى.
وقد أجمعت معظم تحليلات مراكز الدراسات الدولية على أن التصعيد الحالي قد يتحول إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات إذا دخلت أطراف أخرى في الصراع، مثل الفاعلين المرتبطين بإيران من التنظيمات المسلحة دون مستوى الدولة في لبنان والعراق واليمن. كما أشارت هذه التحليلات إلى أن تعزيز الوجود العسكري الأوروبي يعكس استعداداً للتعامل مع سيناريوهات تصعيد محتملة، محذرة من أن أي توسع واسع للصراع قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في عدة مناطق من الشرق الأوسط، ويؤثر بشكل مباشر على أمن الطاقة الأوروبي، فضلاً عن احتمال حدوث موجات هجرة جديدة نحو القارة الأوروبية.
أما لبنان بوصفه نقطة التحول الاستراتيجية في مسار الحرب الإقليمية، فإن التطورات المتسارعة وتحركات الجيش الإسرائيلي الذي ينفذ عمليات عسكرية في الجنوب اللبناني بهدف القضاء على حزب الله، إضافة إلى الطلب من نحو 300 ألف من سكان الضاحية الجنوبية لبيروت مغادرة منازلهم والتوجه شمال نهر الليطاني، تنذر بإمكانية اندلاع مواجهة واسعة تتزامن مع العمليات الجارية ضد إيران. ولهذا تمثل الجبهة اللبنانية نقطة تحول استراتيجية حاسمة في مسار الصراع الإقليمي وفي البعد العسكري المباشر، فإن الاجتياح الإسرائيلي الواسع لجنوب لبنان على نحو يشبه ما حدث في حرب عام 1982 سيعني فتح جبهة شمالية تتضمن عمليات برية وبحرية وجوية وسيبرانية متزامنة، إضافة إلى تبادل إطلاق الصواريخ والهجمات المضادة على العمق الإسرائيلي، الأمر الذي يزيد من احتمال انخراط أطراف إقليمية أخرى في العمليات العسكرية، وبالتالي توسيع نطاق الصراع.
ويمكن تفسير دلالات التحركات العسكرية الأوروبية من خلال ثلاثة أبعاد استراتيجية رئيسية. يتمثل البعد الأول في الاستعداد لسيناريو توسع الحرب، وهو ما يتطلب حماية القواعد العسكرية الأوروبية المنتشرة في المنطقة والاستعداد لإجلاء الرعايا الأوروبيين في حال توسع العمليات العسكرية. أما البعد الثاني فيرتبط بـ حماية الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، حيث تعتمد القارة الأوروبية بدرجة كبيرة على تدفق النفط والغاز من منطقة الخليج وقد يصل سعر برميل النفط الخام الى اكثر من 150 دولار، وأي اضطراب في هذه الإمدادات قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية واسعة النطاق. في حين يتمثل البعد الثالث في تعزيز منظومة الردع الدولية، إذ إن إظهار حضور عسكري أوروبي متعدد الأطراف في المنطقة يهدف إلى إرسال رسالة واضحة مفادها أن أي توسع للصراع قد يواجه استجابة دولية قادرة على الاحتواء.
وفي ضوء المستجدات التي شهدتها الساعات الأربع والعشرون الأخيرة، يبدو أن مسار التصعيد يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً واتساعاً، فقد ترافقت الضربات المتواصلة داخل العمق الإيراني مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، الأمر الذي أدى إلى موجات نزوح واسعة وتحذيرات بإخلاء مناطق إضافية شمال نهر الليطاني، ترافقت هذه التطورات مع تحذيرات إيرانية مباشرة للدول الأوروبية من الانخراط في العمليات العسكرية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اصطفافات دولية غير مباشرة قد تضيف بعداً دولياً للأزمة. وتعكس هذه المعطيات مجتمعة انتقال الصراع تدريجياً من مرحلة الضربات المتبادلة المحدودة إلى مرحلة حرب إقليمية مفتوحة متعددة المسارح، وهو ما يفسر تسارع التحركات العسكرية الدولية، ولا سيما الأوروبية، تحسباً لاحتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
وخلاصة القول، إن المعطيات الحالية تشير إلى أن الشرق الأوسط يقف على عتبة مرحلة استراتيجية جديدة قد تعيد رسم خريطة التوازنات الإقليمية. وأن لبنان – في حال إطلاق يد إسرائيل عسكرياً في هذه الجبهة – قد يشكل مفتاحاً حاسماً لتحديد مسار الحرب المستقبلية، وعليه، فإن الانتشار الأوروبي في منطقة الصراع الدائر حالياً يندرج ضمن استراتيجية وقائية شاملة تهدف إلى حماية المصالح الحيوية، وتعزيز القدرة على الردع قبل أن تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، ويبقى احتمال تحول الصراع إلى مواجهة شاملة أو أزمة استراتيجية كبرى أحد أبرز السيناريوهات التي تضعها أوروبا على رأس أولوياتها في المرحلة الراهنة.

















