م. معاذ المبيضين يكتب :- مضاد النواب الاكتواري، في مواجهة تعديلات الضمان*

تضع الإحالة الأخيرة لمشروع قانون الضمان الاجتماعي إلى لجنة العمل النيابية مجلس النواب أمام اختبار يتجاوز حدود الدور التشريعي التقليدي؛ فالمواجهة هنا ليست سياسية بامتياز، بل هي مواجهة بين منطق الأرقام الاكتوارية الصارم وبين ديناميكية التعديل البرلماني المستجيبة للضغوط الاجتماعية. فالإشكالية الجوهرية لا تكمن في حق المجلس في التعديل، بل في مدى امتلاكه لـ "مضاد اكتواري" - أي الأدوات التحليلية والقدرة على النمذجة التي تمكّنه من محاكاة أثر أي تغيير يقترحه على هيكل القانون-. فبدون هذه الأدوات، تصبح مقترحات النواب مجرد محاولات لترميم الحاضر على حساب المستقبل.
تستند الحكومة في مسوغات تعديلاتها إلى دراسات اكتوارية معمقة، ترسم مسار الصندوق لعقود قادمة. وفي المقابل، يجد المشرّع نفسه في موقف المتلقي لهذه البيانات، حيث يفتقر المطبخ التشريعي إلى وحدات إسناد فني مستقلة قادرة على تفكيك هذه الفرضيات أو بناء نماذج محاكاة موازية. إن غياب هذا المضاد الفني يحوّل المناقشات من حوار حول الاستدامة والجدوى إلى صراع حول المكتسبات والمطالب. فعندما يقترح نائب تعديلاً لتوسيع شريحة المشمولين أو خفض سن التقاعد، فإنه يفعل ذلك بوازع تمثيلي مشروع، لكنه يفتقد للأداة التي تخبره فوراً بمدى اقتراب نقطة التعادل بين الإيرادات والمصروفات نتيجة هذا القرار. فالتشريع في غياب النمذجة هو مقامرة بملاءة الصندوق المالية، وقد يدفع الحكومة للعودة إلى طاولة التعديل القسري في غضون سنوات قليلة.
تكمن المعضلة الحقيقية في مواجهة النواب لتعديلات الضمان في طبيعة الزمن؛ فالنائب محكوم بدورة انتخابية قصيرة وضغوطات قطاعية آنية، بينما الضمان الاجتماعي محكوم بدورة حياة جيلية تمتد لعقود. هنا تبرز الحاجة إلى حوكمة التعديل؛ فالمفترض ألا يمر أي مقترح نيابي ما لم يتم إخضاعه لـ اختبارات إجهاد (Stress Testing) مستقلة. حيث أن أي تحسين في المنافع التقاعدية دون وجود تغطية اكتوارية هو في الحقيقة اقتراض من جيوب الأجيال القادمة لتمويل رضا الجيل الحالي. فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن يملتك البرلمان الجرأة للمطالبة ببيانات خامة (Raw Data) تتيح لخبراء مستقلين بناء تصورات بديلة، بدلاً من الركون التام لرواية المؤسسة التنفيذية.
إن حماية أموال المشتركين لا تتأتى بالانحياز العاطفي لمطالبهم فحسب، بل بحماية النظام الذي يضمن صرف رواتبهم بعد عقود. والتعديلات المرتقبة يجب أن تخرج من إطار التسويات السياسية إلى إطار التوازن الرياضي. ونجاح لجنة العمل في هذه المواجهة لا يقاس بعدد المواد التي ستستطيع تغييرها، بل بمدى علمية هذه التغييرات وقدرتها على الصمود أمام الاختبارات الاكتوارية القادمة. فالتعديل الذي لا يستند إلى أرقام هو تعديل مع وقف التنفيذ، سيسقط عند أول مراجعة مالية حقيقية، وسيدفع ثمنه المشترك الصغير الذي اعتقد يوماً أن المشرّع قد انتصر له.
يبقى التساؤل قائماً: هل يمتلك مجلس النواب اليوم الإرادة لمأسسة تقاليد التشريع المبني على البرهان، والبحث عن أدوات نمذجة مستقلة تعيد التوازن في ميزان القوى المعرفي مع الحكومة؟ هذا التساؤل يمتد بالضرورة إلى المشهد الحزبي الجديد؛ فأين هي مراكز الدراسات ووحدات تحليل السياسات التابعة للأحزاب التي حجزت مقاعدها تحت القبة؟ فعجز الكتل الحزبية عن تقديم مضاد اكتواري أو نموذج محاكاة علمي يوازي ما تقدمه الحكومة، يكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والقدرة الفنية. فالدور الحزبي الحقيقي ليس في رفع سقف المطالب، بل في توفير الإسناد المعرفي الذي يدعم نائب الحزب في مواجهة هذه القوانين المعقدة. فبدون هذه القوة الفنية، سنبقى نراوح مكاننا، نعدل القوانين بناءً على انطباعات لا بيانات، بانتظار قانون معدل جديد يصحح أخطاء اليوم.



















