الأردن يفعل دبلوماسية الاحتواء لمنع انفجار المواجهة الإقليمية

عمان - في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتسارع فيها احتمالات التصعيد، تكشف الاتصالات التي أجراها الأردن مع دول عربية عدة في المنطقة، عن حراك دبلوماسي أردني محسوب، يهدف لبناء شبكة تنسيق عربي قادرة على احتواء تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، قبل أن تتحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
فوفق تقديرات خبراء في الشأن السياسي والإستراتيجي أكدوا، في أنه لا يمكن قراءة هذه الاتصالات بوصفها تحركات بروتوكولية عابرة، بل باعتبارها جزءا من دبلوماسية إدارة أزمات تسعى إلى ضبط مسار التوتر في مرحلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية ومعادلات الردع الإقليمي.
فالتقديرات تشير إلى أن المنطقة تقف أمام مشهد جيوسياسي معقد، حيث لم يعد التصعيد مجرد توتر سياسي عابر، بل ملف إستراتيجي مفتوح يحمل احتمالات الاحتواء أو الانفجار تبعا لطبيعة التحركات الدبلوماسية الجارية.
وشددوا على أن الحراك الأردني، خطوة مهمة في محاولة بناء جبهة دبلوماسية تسعى إلى منع انزلاق المنطقة نحو صراع أوسع قد يحمل كلفة سياسية واقتصادية وأمنية ثقيلة على الجميع.
توسع دائرة الصراع
في ظل مشهد إقليمي متوتر ومخاوف من توسع دائرة الصراع، تتحرك الدبلوماسية الأردنية باتجاه تعزيز التنسيق مع العواصم العربية، وهو ما أكده رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، ومن أن ذلك يأتي ضمن مسار إقليمي ودولي يهدف لتهدئة التوترات وضبط الصراع قبل خروجه عن السيطرة.
وقال شنيكات، إن التحركات والاتصالات الدبلوماسية الأردنية، تنسجم مع موقفه الثابت الذي عبّر عنه جلالة الملك عبدالله الثاني في أكثر من مناسبة، حيث يؤكد الأردن باستمرار ضرورة حل النزاعات في المنطقة عبر الوسائل السلمية والتسويات السياسية، والابتعاد عن استخدام القوة العسكرية. مشيرا إلى أن هذا الموقف، يقوم على قناعة راسخة بأن المنطقة لم تعد تحتمل مزيدا من الحروب والصراعات، وأن الطريق الأكثر جدوى لمعالجة الأزمات يتمثل في الدبلوماسية والحوار وخوض المفاوضات بدلاً من الانزلاق إلى مواجهات عسكرية مكلفة.
وقال شنيكات إن الحروب في المنطقة أثبتت بأنها باهظة الثمن، وأن شعوب المنطقة دفعت أثمانا كبيرة نتيجة الصراعات المتتالية في العقدين أو الثلاثة عقود الماضية، ما انعكس سلبا على مستويات المعيشة والاستقرار والتنمية. من هنا، فإن الموقف الأردني الداعي للتهدئة والتسوية السياسية، ينسجم أيضا مع توجهات دول عربية، في مقدمتها مصر التي أعادت التأكيد بدورها على ضرورة وقف الحرب والذهاب إلى مسار المفاوضات والحلول الدبلوماسية.
وأضاف شنيكات، أن استمرار الحرب لا يخدم المصالح العربية ولا دول الإقليم، بل يحمل كلفة اقتصادية وسياسية وأمنية مرتفعة على الجميع. مشيرا إلى أن التصعيد العسكري بدأ ينعكس بالفعل على الاقتصاد العالمي، لافتا إلى الارتفاع الملحوظ في أسعار الطاقة، إذ وصل سعر برميل النفط إلى 109 دولارات صباح أمس، مع احتمال استمرار الارتفاع في حال تصاعد التوتر.
ورأى أن مثل هذه التطورات، ستؤثر سلبا في اقتصادات العديد من الدول، العربية أو في العالم، بما في ذلك دول صناعية كبرى، تعتمد على استيراد الطاقة من المنطقة كالصين وكوريا الجنوبية ودول الاتحاد الأوروبي.
وشدد شنيكات على أن الجهد الدبلوماسي الأردني مهم في هذه المرحلة، لكنه يحتاج لأن يترافق مع تحرك دولي أوسع، بما في ذلك دور فاعل من القوى الكبرى، خصوصا على المستويين الأوروبي والأميركي، لاحتواء التصعيد ومنع توسع دائرة الصراع. لافتا إلى أن هذا يتطلب أيضا ضوابط واضحة لسلوك الاحتلال، معتبرا بأن الاحتلال الصهيوني السبب الأساس باندلاع الحرب، بعد أن بادرت لشنها، ما يستدعي ضغوطا دولية حقيقية لوقف التصعيد والعودة للمسار السياسي.
ودعا لضرورة أن يظل استخدام القوة في العلاقات الدولية محكوما بضوابط القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الذي يؤكد أن اللجوء للقوة، لا يكون مشروعا إلا في حالة الدفاع الشرعي عن النفس أو بقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي يجيز استخدام القوة. محذرا من أن الاستخدام المنفرد للقوة خارج هذه الأطر القانونية، يهدد بتحويل العلاقات بين الدول لما يشبه "شريعة الغاب"، ما يتعارض مع قواعد النظام الدولي القائم على القانون والشرعية الدولية.
لذلك، فإنه رأى أن الخيار الأفضل والأكثر استقرارا يتمثل بالعودة للحلول السياسية والتفاوضية التي نصت عليها المواثيق الدولية، باعتبارها السبيل الوحيد لتجنيب المنطقة مزيدا من الحروب والخسائر.
تعزيز التنسيق الإقليمي
وفي وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة التوترات في المنطقة على خلفية الحرب والتوتر الإقليمي، تكثف عمّان تحركاتها الدبلوماسية، لتعزيز التنسيق الإقليمي، وفق الخبير د. بشير الدعجة، جزءا من مساعٍ أوسع، بهدف ضبط مسار التصعيد ومنع انزلاق المنطقة لمواجهة مفتوحة.
وقال الدعجة، إن الاتصالات التي أجراها رئيس الوزراء د. جعفر حسان مع نظيريه الكويتي والمصري، لا يمكن قراءتها بوصفها مكالمات دبلوماسية بروتوكولية عابرة، بل تمثل تحركا سياسيا وأمنيا محسوبا بدقة، ضمن ما يمكن وصفه بدبلوماسية إدارة الأزمات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
فبحسب الدعجة، تقف المنطقة أمام معادلة جيوسياسية معقدة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية ومعادلات الردع الإقليمي، فيما لم تعد الحرب المرتبطة بإيران مجرد توتر سياسي عابر، بل تحولت إلى ملف إستراتيجي مفتوح، يحمل في طياته احتمالات التصعيد أو الاحتواء، تبعا لطبيعة التحركات الدبلوماسية في هذه المرحلة.
من هنا، يمكن فهم الحراك الأردني باعتباره تحركا استباقيا يهدف لبناء شبكة تشاور عربي قبل أن تتسع رقعة النار وتتحول الأزمة لمواجهة إقليمية مفتوحة يصعب احتواؤها لاحقا. مشيرا إلى أن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي في قلب المشرق العربي، يدرك جيدا بأن أي حرب في المنطقة لا تبقى محصورة في حدود الجغرافيا التي تبدأ فيها. فعمّان تقع على تماس مباشر مع بؤر توتر إقليمية مثل سورية والعراق، كما أنها تشكل عقدة جغرافية، تربط الخليج العربي ببلاد الشام وشرق المتوسط.
وتوضح التقديرات الاقتصادية الدولية، بحسب الدعجة، أن أي اضطراب أمني في الخليج، قد يؤدي لارتفاع أسعار الطاقة بنسبة قد تصل لـ30 % خلال أسابيع قليلة، في حين أن أكثر من 65 % من حركة التجارة العالمية المرتبطة بالطاقة، تمر عبر الممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر. وهذا يعني أن أي تصعيد عسكري واسع، قد يخلق موجة ارتدادات اقتصادية وأمنية تضرب المنطقة بأكملها.
لذلك فإن التحرك الدبلوماسي الأردني لا ينطلق فقط من منطق التضامن السياسي العربي، بل من منطلق الأمن القومي المباشر ومحاولة بناء حائط صد سياسي يمنع انزلاق المنطقة إلى سيناريو الفوضى الإستراتيجية.
وقال الدعجة إن اختيار التواصل مع القاهرة والكويت يحمل دلالات إستراتيجية واضحة؛ فالقاهرة تمثل أحد أهم مراكز الثقل السياسي والعسكري في النظام الإقليمي العربي وتمتلك قدرة تأثير ملموسة في ملفات التهدئة الإقليمية، بينما عرفت الكويت تاريخيا بدبلوماسيتها الهادئة وقدرتها على لعب أدوار الوساطة وبناء التوافقات داخل المنظومة الخليجية.
ومن زاوية أمنية أعمق، رأى الدعجة أن هذه الاتصالات جاءت في توقيت بالغ الحساسية، لأن طبيعة الحروب في الشرق الأوسط تغيرت جذريا خلال العقدين الأخيرين.
فالمواجهات العسكرية لم تعد تقليدية تعتمد على الجيوش النظامية فقط، بل أصبحت حروبا هجينة تستخدم فيها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية وشبكات الوكلاء الإقليميين.
وتشير تقديرات مراكز الدراسات العسكرية، وفق الدعجة، إلى أن الشرق الأوسط يضم اليوم ما يزيد على 200 ألف صاروخ وقذيفة بعيدة ومتوسطة المدى لدى مختلف الأطراف، كما أن انتشار الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة غيّر معادلات الردع العسكري بشكل كبير وجعل أي صراع قابلا للانتشار بسرعة عبر الحدود. وفي مثل هذه البيئة الأمنية المعقدة، يصبح التنسيق السياسي المبكر بين الدول المعتدلة ضرورة إستراتيجية لمنع انتقال الصراع إلى مرحلة الفوضى غير القابلة للضبط.
وفي هذا السياق، أكد الدعجة أن الأردن يتحرك وفق فلسفة أمنية معروفة في الإستراتيجيات الدولية تعرف بمفهوم الاحتواء الوقائي، أي تطويق الأزمة سياسيا قبل أن تتحول إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وتعتمد هذه المقاربة على تكثيف الاتصالات الدبلوماسية وتبادل التقديرات الاستخبارية وتحليل السيناريوهات المحتملة بين الدول المعنية بالأزمة.
كما يعكس هذا الحراك، بحسب الدعجة، إدراكا أردنيا عميقا لقاعدة أساسية في علم الإستراتيجية مفادها أن الحروب تتوسع عادة عندما يغيب التنسيق السياسي بين القوى الإقليمية، بينما تتراجع احتمالات التصعيد عندما يظهر تكتل دبلوماسي قادر على ممارسة الضغط السياسي وبناء مسارات تهدئة.
لذلك فإن التنسيق بين الأردن ومصر والكويت يمكن قراءته كخطوة أولى في مسار أوسع يهدف إلى تشكيل مظلة عربية للتهدئة وإيصال رسالة سياسية واضحة بأن المنطقة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لجرها إلى صراع شامل قد يهدد أمنها واستقرارها الاقتصادي.
وجدد الدعجة تأكيده أن التحرك الذي يقوده رئيس الوزراء د. جعفر حسان يعكس نهجا أردنيا تقليديا يقوم على الدبلوماسية الاستباقية وإدارة الأزمات قبل انفجارها.
فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي وحساسية بيئته الأمنية، يدرك أن الاستقرار الإقليمي ليس ترفا سياسيا بل ضرورة وجودية. ومن هنا فإن هذه الاتصالات تمثل محاولة جادة لبناء شبكة تنسيق عربي قادرة على احتواء التصعيد ومنع انتقال المنطقة إلى مرحلة الحرب الإقليمية المفتوحة، في رسالة واضحة بأن العقل السياسي العربي ما زال قادرا على التحرك لمنع اشتعال الحرائق قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة.
ضبط مسار التصعيد
وفي قراءة لدلالات التحركات الدبلوماسية الأردنية، أكد الخبير د. نضال أبو زيد، أن هذه الاتصالات تعكس انخراط عمّان في مساع إقليمية تهدف إلى ضبط مسار التصعيد الإقليمي والحد من احتمالات توسعه.
وقال أبو زيد إن التحرك الدبلوماسي الأردني الأخير يأتي في سياق أوسع من الحراك الإقليمي والدولي الذي يهدف إلى تهدئة التوترات في المنطقة ومحاولة ضبط مسار الصراع ومنع انزلاقه إلى مستويات أكثر خطورة.
وأشار أبو زيد، إلى أن الاتصالات التي أجراها الأردن مع قادة في المنطقة لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا الحراك، إذ إنها تمثل جزءا من جهد إقليمي متكامل يسعى لاحتواء التصعيد الذي تحاول إيران، دفع المنطقة نحوه. وبحسب تقديره، فإن طهران تسعى في هذه المرحلة لخلق حالة من خلط الأوراق إقليميا عبر توسيع دائرة التوتر وفتح مسارات تصعيد متعددة، ما يفرض على الدول العربية تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لتفادي انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وأضاف أبو زيد أن إيران تحاول في هذه المرحلة الدفع نحو مزيد من التصعيد الإقليمي، حيث تتجه بؤر التوتر ليس فقط في الساحات التقليدية للصراع، بل تمتد أيضاً باتجاه تركيا وأذربيجان، وهو ما يعزز المخاوف من توسع رقعة التوتر خارج نطاقه الحالي. مؤكدا أن هذا الواقع يفرض ضرورة تكثيف الجهود العربية الدبلوماسية، بالتوازي مع الجهود الدولية، بحيث تتكامل هذه التحركات وتتناغم فيما بينها بهدف احتواء الأزمة وضبط مسارها ومنع تحولها إلى صراع إقليمي مفتوح.
وفي هذا الإطار، يكتسب التحرك الأردني أهمية خاصة باعتباره جزءا من شبكة تحركات إقليمية تسعى إلى الدفع باتجاه التهدئة وتثبيت معادلات تمنع الانفلات وتحد من احتمالات التصعيد في المنطقة.


















