د.الون بن مائير يكتب :- طمس الهوية الوطنية الفلسطينية: وسيلة نتنياهو لتحقيق إسرائيل الكبرى

لا يسعى رئيس الوزراء نتنياهو إلى سلام تفاوضي مع الفلسطينيين، بل يُديم العداء المستمر كوسيلة للإستيلاء تدريجيًا على المزيد من الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي أراضٍ يعلم أنه لن يتمكن من تأمينها عبر طاولة المفاوضات. إن سياسة إسرائيل في الضفة الغربية بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول ما هي إلا استراتيجية ضم متعمدة تُنفذ من خلال دمج إداري غير قانوني وتوسيع المستوطنات وعنف المستوطنين المنظم. كل هذه مجتمعة ستمكن نتنياهو من منع قيام دولة فلسطينية وتحقيق هدفه النهائي المتمثل في إقامة إسرائيل الكبرى بأي وسيلة ممكنة، مهما كانت وحشية.
اتخذ الإئتلاف الحاكم الحالي في إسرائيل سلسلة من الإجراءات الهيكلية التي تُحوّل الإدارة العسكرية في الضفة الغربية إلى إدارة مدنية وتُدمج المستوطنات في الأنظمة الداخلية الإسرائيلية وتُرسّخ تغييرات ديموغرافية وجغرافية دائمة. تتجاوز هذه التحركات الإحتلال العادي وتتماشى مع ما وصفته محكمة العدل الدولية وهيئات الأمم المتحدة بـ”الضم الفعلي” وترسيخ نظام شبيه بنظام الفصل العنصري في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
الترسيخ الجغرافي
يُعدّ نقل الصلاحيات الرئيسية المتعلقة بالمستوطنات من القائد العسكري إلى الإدارة المدنية، ولا سيما إلى وزير المالية المتعصب بتسلئيل سموتريتش، الذي مُنحت له هذه الصلاحيات في وزارة الدفاع، حجر الزاوية في هذا التحول. يُرسّخ هذا التحوّل جوانب جوهرية من إدارة الضفة الغربية داخل البيروقراطية الإسرائيلية الداخلية، مما يُطمس التمييز بين الأراضي السيادية والأراضي المحتلة، ويتناقض بشكل مباشر مع قانون الإحتلال الذي يُلزم بوجود نظام منفصل ومؤقت.
صوّر سموتريتش هذه العملية صراحةً على أنها تمهيد لتطبيق السيادة الإسرائيلية إلى الأبد في غزة والضفة الغربية، مصرحًا بأن “عام 2025 سيكون عام السيادة في الضفة الغربية…”. وقد فتحت الحكومة الإسرائيلية عشرات الطرق حول المستوطنات والبؤر الاستيطانية رابطةً بذلك المجتمعات اليهودية، بينما تقيّد حركة الفلسطينيين وممكّنةً المستوطنين من الإستيلاء على المزيد من الأراضي التي تجرّد الفلسطينيين بلا رحمة من مصدر رزقهم الرئيسي.
يواجه الفلسطينيون رفضًا ممنهجًا لمنح تراخيص البناء في معظم المنطقة (ج) (التي تسيطر عليها إسرائيل وتديرها)، ما يجعل “البناء غير القانوني” أمرًا شبه حتمي؛ ثم تلجأ إسرائيل إلى عمليات الهدم والتهجير القسري لإخلاء المناطق “الاستراتيجية”. ففي الفترة من نوفمبر/تشرين الثاني 2023 إلى أكتوبر/تشرين الأول 2024، هُدم ما لا يقل عن 1779 مبنى فلسطينيًا بلا رحمة في الضفة الغربية، ما أدى إلى تهجير 4527 شخصًا قسرًا وتقليص الوجود الفلسطيني على الأراضي الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، مضت إسرائيل قدماً في خططها لبناء أكثر من 10,300 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة الغربية، ودعمت إنشاء ما لا يقل عن 49 بؤرة استيطانية جديدة، إلى جانب خطط لبناء أكثر من 20,000 وحدة في القدس الشرقية. تخدم هذه الأنشطة غير المشروعة مشروع إعادة هندسة الأراضي المصمم لطمس جذور الفلسطينيين في أرضهم، ومنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
تسليح المستوطنين والعنف المدعوم من قبل الدولة
في أعقاب هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسّعت إسرائيل بشكل كبير نطاق شرعية عنف المستوطنين. تم دمج آلاف المستوطنين في أجهزة الأمن الرسمية أو تسليحهم بأسلحة صادرة عن الدولة، مما أدى إلى طمس الخط الفاصل بين ميليشيات المستوطنين غير النظامية وأجهزة أمن الدولة ودمجهم في آلة السيطرة على الفلسطينيين.
تكشف تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان عن تصاعدٍ مروعٍ في أعمال العنف الوحشية التي يرتكبها المستوطنون، حيث بلغ متوسطها 118 حادثة شهريًا في عام 2024، وغالبًا ما كان ذلك بحضور القوات الإسرائيلية أو بمشاركتها. وشملت هذه الهجمات عمليات قتل وضرب وتدمير ممتلكات وتهجير قسري لمستوطنات فلسطينية. ومع ذلك، ظلّت المساءلة ضئيلة، مما يشير إلى دعم ضمني أو صريح من الدولة للعنف الوحشي والترهيب الذي يمارسه المستوطنون ضد الفلسطينيين لترسيخ سيطرتهم على الأراضي.
الغارات الجوية وتدمير الممتلكات
على الرغم من أن إسرائيل ليست في حالة حرب في الضفة الغربية، إلا أن قواتها استخدمت مرارًا وتكرارًا أسلحة ثقيلة – بما في ذلك الغارات الجوية – في مخيمات اللاجئين الحضرية مثل جنين وطولكرم. وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2025، وثّقت مراقبة الأمم المتحدة ما لا يقل عن 108 غارات جوية في الضفة الغربية، أسفرت عن مقتل 445 فلسطينيًا وتشريد ما يُقدّر بنحو 30,000 إلى 40,000 شخص، فضلًا عن تدمير أجزاء كبيرة من المخيمات المستهدفة، وهو ما يرقى كحدّ أدنى إلى جرائم ضد الإنسانية.
يُعمّق هذا المستوى من القوة – المُستخدم خارج نطاق النزاع المسلح المُعلن وفي أراضٍ تخضع لاحتلال مُطوّل – من نزوح السكان من مناطق رئيسية ويُرسّخ فكرة أن الفلسطينيين يفتقرون إلى الأمن في أي مكان تسعى الدولة إلى تشديد قبضتها عليه. أما بالنسبة لإسرائيل، فتُستخدم “المبررات الأمنية” بشكل مُنتظم لتبرير عمليات التدمير والتهجير واسعة النطاق.
بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و17 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قُتل ما لا يقل عن 1001 فلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين، وكان من بينهم طفل واحد من كل خمسة أطفال تقريبًا. ويعكس هذا سياسة ممنهجة ومنحرفة أخلاقيًا تجعل الوجود الفلسطيني هشًا وتُسهّل تطبيع الإستيطان الإسرائيلي والمطالبة بالسيادة.
السيادة و”موت” الدولة الفلسطينية
تؤكد التصريحات السياسية الصريحة والتشريعات البرلمانية نوايا الإئتلاف الحاكم. ففي يوليو/تموز 2025، تبنى الكنيست قرارًا يؤكد “حق إسرائيل الطبيعي والتاريخي والقانوني” في كامل أرض إسرائيل، ويدعو الحكومة إلى “بسط السيادة الإسرائيلية، بما فيها القانون والولاية القضائية والإدارة، على جميع مناطق التجمعات اليهودية… في يهودا والسامرة ووادي الأردن”.
وخلال المناقشة، صرّح عضو الكنيست عن حزب الليكود، دان إيلوز، بأن “الكنيست، ولأول مرة، يُعرب رسميًا عن دعمه لبسط السيادة على يهودا والسامرة”، وأصرّ على أن هذه المناطق “ليست أوراق مساومة”.
طمس الهوية الفلسطينية
تُطبّق إسرائيل في الضفة الغربية نظامين قانونيين منفصلين، حيث يعيش المستوطنون في ظل القانون المدني الإسرائيلي ويتمتعون بكامل الحقوق السياسية والمدنية ويتلقون خدمات حكومية واسعة النطاق. وفي الوقت نفسه، يبقى الفلسطينيون خاضعين للحكم العسكري وقيود شاملة على الحركة وحرمان ممنهج من حقوق البناء والتخطيط. ويُرسّخ هذا نظامًا للهندسة الديموغرافية والجغرافية يُفيد اليهود الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين بشكل ممنهج.
يتوافق نمط عمليات القتل والتهجير القسري وتدمير الممتلكات والتمييز المؤسسي مع المؤشرات الرئيسية التي تستخدمها هيئات الأمم المتحدة والخبراء المستقلون لتوصيف أنظمة الفصل العنصري: تفتيت السكان المضطهدين وعزلهم في جيوب معزولة وحرمانهم من المشاركة السياسية واستخدام العنف المفرط للحفاظ على الهيمنة. تعمل هذه العناصر مجتمعة كأداة مركزية للضم الفعلي الذي يطمس الهوية الوطنية الفلسطينية بشكل ممنهج.
وبينما ينشغل ترامب بجمع الرسوم لـ”مجلس السلام” الذي صممّه، زاعمًا سعيه لتحقيق سلام إسرائيلي -فلسطيني، لم ينبس ببنت شفة لوقف انتهاكات نتنياهو الوحشية في الضفة الغربية، وهي أعمال لا يملك سوى هو، كرئيس، القدرة على كبحها لمنع تقويض أي أمل متبقٍ في حلّ الدولتين.
سيُدان نتنياهو ونظامه المسياني المتشدد بعد أن قيّدوا إسرائيل في دوامة لا تنتهي من العنف والخطر، لأن الفلسطينيين يتمسكون بحقهم الثابت في المقاومة ببسالة حتى ينالوا حقهم المطلق الذي لا يُمس في إقامة دولتهم.


















