من السماء إلى الداخل.. كيف تتحرك واشنطن لتفكيك قوة النظام الإيراني؟

د.عامر سبايلة
* أحياناً لا تُحسم الحروب بالقوة العسكرية وحدها، بل بطبيعة الاستراتيجية التي تُدار بها المواجهة. وهذا ما يفسر إصرار الإدارة الأميركية على أن ما يجري في إيران ليس حرباً تقليدية، بل عملية عميقة تحمل اسم "الغضب الملحمي".
منذ اليوم الأول، بدا واضحاً أن هذه العملية تسير وفق خطة أميركية متعددة المراحل. فقد بدأت باستهداف رأس النظام الإيراني عبر عمليات استخباراتية وعسكرية نوعية، قبل الانتقال إلى تجريد النظام من قدراته الدفاعية وفرض السيطرة على المجال الجوي، ثم توسيع الضربات لتشمل القدرات العسكرية والبنية التحتية.
لكن المرحلة الأكثر حساسية جاءت عندما انتقلت العمليات إلى مقدرات النظام الداخلية، ولا سيما أدوات فرض السيطرة داخل المجتمع. فقد استُهدفت مقرات الباسيج والحرس الثوري وعدد من النقاط الأمنية الحساسة، في إشارة واضحة إلى أن العملية التي أعلن الرئيس دونالد ترامب أنها تهدف إلى تهيئة الظروف للشعب الإيراني لإحداث التغيير ما زالت تسير ضمن هذا المسار.
في هذا السياق تبدو المواجهة أقرب إلى نهج يهدف إلى تركيع النظام. فبعد استهداف القدرات العسكرية، انتقلت الضغوط إلى الداخل الإيراني عبر جعل إدارة الدولة والاقتصاد أكثر صعوبة. ويظهر ذلك بوضوح في الحديث عن السيطرة على جزيرة خرج، المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، ما يعني عملياً تجريد النظام من أحد أهم مصادر قوته الاقتصادية.
وهكذا امتدت العملية من استهداف القيادات والقدرات العسكرية إلى الواقع الاقتصادي للنظام، من ضرب البنوك المرتبطة به إلى الضغط على بنيته المالية.
في المقابل، أظهرت المقاربة الإيرانية منذ البداية أن الضربة الأولى كانت قاسية. فقد أدى غياب القيادة الواضحة إلى دفع الحرس الثوري إلى محاولة احتواء الفراغ سريعاً، عبر إبقاء منصب المرشد في حالة غموض – تسمع به ولا تراه– لمنع ظهور مراكز قوة بديلة داخل النظام.
وفي ظل هذا الوضع، اتجهت طهران إلى خيار التصعيد الإقليمي. فبدلاً من الرد التقليدي، تبنت سياسة تقوم على نشر الفوضى في الخليج عبر استهداف دوله لإظهار قدرتها على تهديد مراكز الطاقة والمال العالمية.
كما لوّحت بإمكانية استهداف الملاحة الدولية في مضيق هرمز لرفع كلفة الحرب على المجتمع الدولي. غير أن هذه التحركات دفعت عدداً من الدول إلى إدانتها والبحث عن آليات لحماية الملاحة الدولية.
حتى التهديد برفع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل لم يحقق التأثير المطلوب، بعد أن قرر الرئيس ترامب الإفراج عن المخزون النفطي الاستراتيجي، ما ساعد على تهدئة الأسواق العالمية.
كما أن زج حزب الله والميليشيات العراقية في المواجهة عزز الانطباع بأن إيران تحاول استخدام ما تبقى من أوراقها الإقليمية وتفعيل خيار الفوضى الإقليمية كملاذ أخير.
في المقابل تعاملت واشنطن وإسرائيل مع هذه التحركات ضمن سياسة احتواء محسوبة، معتبرتين أن المواجهة الحالية هي معركة عضّ على الأصابع ذات سقف زمني محدود.
بعد مرور نحو أسبوعين على بدء العملية، تبدو السيناريوهات أمام واشنطن ثلاثة:
الأول، الاستمرار في الضغط العسكري والسياسي حتى يصل النظام الإيراني إلى النقطة التي يفرض فيها الرئيس ترامب شروطه لوقف الحرب.
الثاني، إيقاف العمليات بعد التأكد من أن الضربات خلقت أزمة داخلية عميقة داخل إيران قد تدفع النظام إلى الانهيار من الداخل.
أما الثالث فيتمثل في توجيه ضربة حاسمة بسلاح نوعي تسمح لواشنطن بإعلان تحقيق انتصار واضح.
لكن ما يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تسعيان هذه المرة إلى انتصار عملي محدود، بل إلى انتصار استراتيجي كامل. فالمسار الذي بدأ قبل أكثر من عامين لا يبدو قابلاً للانتهاء دون إغلاق حاسم لعدد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها جبهة إيران، إلى جانب إضعاف الميليشيات في العراق وإنهاء تهديد حزب الله في لبنان.
ولهذا تعمل واشنطن وإسرائيل وفق مبدأ التوازي في المواجهات: إضعاف قدرات النظام في إيران، وتوجيه ضربات للميليشيات في العراق، وإنهاء ملف حزب الله في لبنان.
فالمواجهة مع وكلاء إيران اليوم تختلف عما كانت عليه في السابق، إذ تعتقد واشنطن أن هذه الميليشيات تحولت تدريجياً إلى عبء على الدول التي تعمل داخلها وعبء أكبر على حواضنها الاجتماعية، ما يجعل مواجهتها أسهل ويقلل من كلفة إنهاء نفوذها.



















