الأردن بلد الحكمة والدبلوماسية والتوازن في عالم مضطرب

البرفسور عبد الله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
اليوم ونحن نعيش في زمنٍ تتآكل فيه الحدود بين القوة والفوضى، وتتصادم فيه السرديات الدينية مع الحسابات الجيوسياسية، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف موقع الدول لا بوصفها كيانات جغرافية فحسب، بل بوصفها أنماطًا في إدارة التوازن. وفي هذا السياق المضطرب، لا يظهر الأردن كدولة عادية في معادلة الشرق الأوسط، بل كنموذج مركّب، دولة توازنات صلبة، وفلسفة عيشٍ مشترك.
ففي منطقة تُدار غالبًا بمنطق الغلبة أو الانهيار، اختار الأردن مسارًا أكثر تعقيدًا، أن يكون حاجزًا أمام الفوضى دون أن ينزلق إلى صدام مفتوح، وأن يحافظ على استقراره دون أن ينغلق على ذاته، وأن يقدّم نموذجًا للسلام والعيش المشترك دون أن يفرّط في ثوابته. هذا التوازن الدقيق لم يكن نتاج ظرف عابر، بل تعبير عن فهم عميق لطبيعة الإقليم، ولحدود القوة، ولخطورة اختزال بعض المفاهيم التاريخية في مشاريع سياسية.
ومن هنا، فإن أي نقاش حول الأردن، سواء جاء من بوابة بعض النصوص التاريخية، أو من حسابات التمدد الجيوسياسي، لا يمكن أن يُفهم إلا ضمن هذا الإطار المركّب. فالأردن ليس مجرد موقع على الخريطة، بل هو نقطة توازن في لحظة اختلال، ونموذج في إدارة التناقضات، ودولة استطاعت أن تحوّل الجغرافيا من عبء إلى وظيفة، ومن تهديد إلى عنصر استقرار لمنطقة كاملة.
في الشرق الأوسط، لا تُصاغ السياسة بالحاضر وحده، بل تُستدعى لها طبقات عميقة من التاريخ والنصوص، لتُمنح شرعية أو تُنتزع. غير أن الخطر لا يكمن في استدعاء النصوص، بل في اختزالها؛ وفي تحويلها من منظومات أخلاقية إلى أدوات تبرير آنية. وهنا تحديدًا، تتكشف مفارقة لافتة، النصوص التي يُلوَّح بها أحيانًا لتوسيع الجغرافيا، هي نفسها التي وضعت لها حدودًا صارمة.
تبدأ هذه القراءة من لحظة إنصات لحوار دار حول ما يُوصف بهوس نتنياهو بالنصوص التلمودية، ورؤيته لما يُسمّى بإسرائيل الكبرى، بوصفها تحقيقًا تاريخيًا لوعد ديني ممتد، لا يتوقف عند حدود فلسطين، بل يلامس شرق نهر الأردن، ومصر من الغرب. وكان الافتراض الأكثر إثارة في ذلك النقاش أن لحظة تفوق عسكري أو سياسي إسرائيلي للحرب الدائرة في منطقة الخليج العربي، قد تتحول إلى نافذة لتنفيذ مثل هذه التصورات.
غير أن هذا الطرح، على ما فيه من قراءة، يكشف خللًا أعمق، الخلط بين مفاهيم الدين بوصفه مرجعية قيمية، والمشروع السياسي بوصفه أداة قوة. فالنصوص الدينية، في جوهرها، لا تؤسس للفوضى، بل تقيّدها. ولا تمنح العنف شرعية مطلقة، بل تحاصره بشروط أخلاقية صارمة. ومن هنا، فإن أي قراءة تجعل من المفاهيم الدينية مظلة مفتوحة للتوسع، إنما تُسقط عليه ما ليس فيه.
في هذا السياق، يبرز سلوك مجموعة من المتطرفين، يمثلهم نتنياهو بوصفه نموذجًا لإشكالية أعمق تتجاوز شخصه، إلى طريقة توظيف بعض النصوص الدينية في التحركات السياسة. فالرجل يُكثِر من استدعاء النصوص التوراتية وإسقاطها على قراراته السياسية وحملاته العسكرية، وكأنها تمنحه شرعية دينية وتاريخية متجددة. غير أن هذا الاستخدام يكشف مفارقة واضحة، استحضار النص بوصفه أداة، لا قراءته بوصفه منظومة قيم. فالتوراة، ككتاب سماوي، لا تُختزل في خرائط ولا تُترجم إلى مشاريع توسع، بل تُبنى على محددات أخلاقية تقيد العنف وتضع له حدودًا صارمة، كبقية الكتب السماوية الأخرى. وحين يُعاد تأويلها خارج هذا الإطار، فإنها تتحول من مرجعية أخلاقية إلى غطاء سياسي، يفقدها جوهرها ويُفقد السياسة شرعيتها في آن واحد.
وحين نعود إلى النص التوراتي ذاته، تتبدد الضبابية، حيث ورد في سفر التثنية نص واضح "لا تُضايق موآب ولا تُهَاجِمْهُمْ، لأني لا أعطيك من أرضهم ميراثًا".
هذا النص ليس تفصيلًا عابرًا، بل قاعدة تأسيسية تُعيد تعريف العلاقة مع شرق نهر الأردن. وفي بنيته العميقة، لا يكتفي بنفي الحق، بل يحرّم الفعل ذاته. إنه لا يقول إن الأرض ليست لك فحسب، بل يقول، لا تقترب، ولا تُضايق، ولا تُهاجم. أي أننا أمام تحريم مزدوج، تحريم الجغرافيا وتحريم السلوك. وحين تتكرر هذه القاعدة في سياق الحديث عن عمّون وأدوم، تتشكل خريطة ذهنية ودينية مغلقة، شرق نهر الأردن خارج نطاق ما يسمى بالميراث، ومحصّن بنص لا يقبل التأويل الانتقائي. ويظهر الأردن بوصفه موطنًا لشعوب مؤابية وعمونيه، وادومية، وحدًّا جغرافيًا وروحيًا يفصل بين التيه والاستقرار.
هنا، يصبح السؤال أكثر حدة، إذا كان هذا التحريم قائمًا في لحظة التأسيس، فكيف يقوم البعض اليوم بإعادة تأويل النص ليصبح أداة لتجاوز حدوده؟ وكيف يتحول القيد إلى مبرر، والحد إلى أفق مفتوح؟
جزء من الإجابة يكمن في الخلط المتعمّد أو غير الواعي بين مستويين مختلفين، الوعد بوصفه مفهومًا دينيًا مقيّدًا، والوعد بتأويله ليصبح أداة سياسية حديثة. وفي هذا السياق، يبرز وعد بلفور بوصفه نموذجًا كلاسيكيًا لهذا التحويل؛ إذ لم يكن امتدادًا للنص بقدر ما كان إعادة صياغة سياسية ضمن منطق إمبراطوري استعماري، حيث جرى تحرير فكرة الوعد من قيودها اللاهوتية، لتصبح أداة في لعبة النفوذ، لا في منظومة القيم. وهنا تحديدًا، تنشأ المفارقة، ما يُقدَّم كامتداد تاريخي، هو في جوهره إنتاج سياسي حديث.
وإذا كان هذا التوظيف للنص يعكس بعدًا أيديولوجيًا، فإن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم يكشف عن طبقة أعمق من الصراع، تتجاوز الدين إلى بنية النظام الدولي ذاته. فالمنطقة تعيش واحدة من أعقد الأزمات الجيواستراتيجية في العالم منذ بداية هذا القرن، حيث تتداخل فيها الحروب، التي تجلّت بوضوح منذ انفجار المشهد في غزة مع صراعات رمزية وسياسية واقتصادية، واندلاع الحرب الامريكية الإسرائيلية الإيرانية، وإدخال ميادين أكثر حداثة، صراع التكنولوجيا، والسيطرة على المعلومات، وإعادة تشكيل الوعي. كل ذلك يجري في لحظة تاريخية تتسم بتراجع فعالية المؤسسات الدولية، واحتدام التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ، ويبدو ان الشرق الأوسط المحرّك الخفي لإعادة تشكيل النظام العالمي بالكامل، هنا تبدأ الأزمات الكبرى وتُختبر موازين القوى.
ضمن هذا المشهد، لا تبدو الصراعات عابرة أو قصيرة الأمد، بل مرشحة للاستمرار لسنوات، إلى أن تستقر عملية إعادة توزيع النفوذ، وصياغة خرائط القوة في الإقليم. لقد تغيّرت المنطقة جذريًا، عما كانت عليه قبل حرب غزة، ولم تعد كما كانت، لا في توازناتها ولا في أدوات الصراع ولا في طبيعة الفاعلين فيها. نحن أمام شرق أوسط جديد، لم تتشكل ملامحه النهائية بعد، لكنه يتجه بثبات نحو إعادة تعريف الدولة، والسلطة، والتحالفات.
في مقابل هذا الاضطراب، لا يقف الأردن عند حدود الحجة النصية، بل يتجاوزها إلى مستوى أكثر صلابة، مستوى الضرورة الجيوسياسية. فهذه الدولة، الواقعة عند تقاطع أكثر أقاليم العالم هشاشة، ليست مجرد جغرافيا سياسية، بل عنصر توازن دقيق في معادلة إقليمية معقدة. أي اختلال فيها لا يفتح باب التوسع، بل يفتح أبواب الفوضى.
وهنا تحديدًا، تتجلى قيمة الدولة الأردنية لا بوصفها هدفًا في معادلات الآخرين، بل بوصفها شرطًا لاستقرار تلك المعادلات. فالأردن، بحكم موقعه، ليس مساحة قابلة لإعادة التشكيل، بل خط تماس استراتيجي لا يمكن تجاوزه دون كلفة إقليمية مرتفعة.
في قلب هذه المعادلة، تتجلى قيادة الملك عبد الله الثاني، بوصفها نموذجًا نادرًا في الإقليم، قائد عسكري محترف يفهم معنى القوة، لكنه يدرك أن استخدامها بلا حساب هو أقصر الطرق إلى الانزلاق في الصراعات. قائد يوازن بدقة بين الصلابة والمرونة، وبين الردع والانفتاح، وبين حماية الدولة ومنع انزلاقها إلى مغامرات غير محسوبة. الملك وبشجاعته في التحرك حين يحجم الاخرين، وبدقته وهو يُدير الأزمات بهدوء ورؤية بعيدة، في إقليم لا يحتمل الخطأ، وبحكمته وحنكته، جعلته يحظى باحترام وتقدير قادة وشعوب العالم، ويؤهل الأردن للقيام بماهم دبلوماسية كبرى. في منطقة تتحرك على إيقاع المفاجآت، يصبح امتلاك هذه القدرة ليس ترفًا، بل شرطًا للبقاء.
وإلى جانب هذه القيادة، يقف جيش بعقيدة راسخة لا تقوم فقط على القتال، بل على حماية فكرة الدولة، وشعب يمتلك درجة عالية من الوعي والارتباط بهويته السياسية، ويثق بدولته وبقيادته، ويتمسك بتماسكه. هذه الثلاثية، قيادة، وجيش، وشعب، لا تصنع فقط الاستقرار، بل تصنع استقرار ينتج قوة، وقابلية للاستمرار في زمن الانهيارات.
ومع تغير موازين القوى، وتعقّد المشهد الإقليمي، تبقى هذه القدرة على التكيّف الذكي، والتموضع الدقيق، أحد أهم عناصر قوة الأردن.
القوة الحقيقية للأردن، لا تكمن فقط في قدرته على الردع، بل في قدرته على تقديم نموذج مختلف. فاختياره للسلام لم يكن تعبيرًا عن ضعف، بل عن إدراك عميق بأن الاستقرار هو الشرط الأول لأي ازدهار. وفي هذا الإطار، تمثل رسالة عمّان أحد أبرز التعبيرات الفكرية عن هذه الرؤية، حيث أعادت تعريف العلاقة بين الدين والعالم المعاصر، وقدّمت تصورًا للإسلام بوصفه دينًا يعترف بالتعدد، ويرفض الإقصاء، ويؤسس لفكرة العيش المشترك على قاعدة الكرامة الإنسانية.
غير أن هذا الخيار، رغم عمقه الأخلاقي، لا يلغي حقيقة أساسية، فالسلام لا يعني التفريط، والتعايش لا يعني القبول بالتهديد. الأردن، وهو يمد يده للسلام، يُبقي في الوقت ذاته محافظاً على حدوده، وثوابته، وخطوطه الحمراء المرسومة.
وهكذا، تتبلور المعادلة الأردنية في أوضح صورها، يدٌ ممدودة للسلام، وحدودٌ لا تُمس، ورؤيةٌ للعيش المشترك، وإرادةٌ صلبة في الدفاع عن ثوابت الدولة.
وفي لحظة إقليمية تتسارع فيها التحولات، وتُعاد فيها صياغة التوازنات، تتبلور الحقيقة الأكثر بساطة والأكثر عمقًا في آن واحد، أن الدول لا تُحمى فقط بما تملكه، بل بقدرتها على التماسك. فالدولة التي تتماسك في لحظة العاصفة، لا تنجو فقط، بل تصبح جزءًا من إعادة رسم الخريطة.
وهنا، يصبح التحدي الأردني واضحًا، ليس في تعريف موقعه، بل في تحصين هذا الموقع. في تعزيز التماسك الداخلي، وفي منع أي اختراق يمكن أن يهدد هذه البنية الصلبة. لأن التجربة التاريخية، تقول بوضوح، الدول التي تتماسك في لحظة العاصفة، لا تنجو فقط، بل تصبح جزءًا من إعادة رسم الخريطة.
وفي هذا السياق، لا يبدو الأردن دولة تنتظر ما سيحدث، بل دولة تدرك، إن أحسنت إدارة تماسكها، بقيادتها الحكيمة، وجيشها بعقيدته الراسخة، وشعبه الموحّد، أنها قادرة على أن تكون جزء أساسي من بين من يكتب ما سيحدث.
وهكذا يبقى الأردن، الأرض التي عبرتها النبوءات واحتضنت الرسالات، تبرق برسالة عمان، نحن العمق للأمن العربي، ونمد يدنا للسلام، ونحمي خطوطنا الحمراء، ونملك القدرة على إدارة التوازن في زمن الاختلال.

















