+
أأ
-

د. ميساء الرواشدة تكتب :- حين ينهكنا النجاح: قراءة سوسيولوجية في الضغوط الصامتة

{title}
بلكي الإخباري

في ضوء الحادثة الأليمة لانتحار طالبة الطب في سنتها السادسة، أجد نفسي مدفوعة لا   كاستاذة جامعية ولا كباحثة فقط، بل كأم وعضو في هذا المجتمع لأن أضع بين أيديكم قراءة اجتماعية تستند إلى بحث علمي قمنا بالعمل عليه أنا وزميلاتي:

أ. د. آن موسى النجداوى من قسم العمل الاجتماعي الجامعة الاردنية

أ.د. رولا عودة السوالقة قسم علم الاجتماع الجامعة الاردنية

بعنوان: "الأفكار الانتحارية وعلاقتها بالرضا الوظيفي وضغوط العمل لدى العاملين الصحيين في المستشفيات الأردنية: دراسة مقطعية"، والمنشور في مجلة Frontiers in Public Health (2024).

ما كشفه هذا البحث لم يكن مجرد أرقام، بل إشارات عميقة إلى حجم الضغوط التي قد يحملها الإنسان بصمت، حتى وهو في قمة ما يبدو نجاحًا.

لقد أظهرت نتائجنا أن ارتفاع الضغوط وانخفاض الرضا يرتبطان بزيادة احتمالات الأفكار الانتحارية، وأن بيئة العمل أو ما يشبهها من بيئة تدريب وتعليم حين تكون مثقلة بالمطالب وقليلة الدعم، فإنها قد تُنتج إنسانًا مرهقًا نفسيًا حتى لو بدا ناجحًا في الظاهر. وعلى الرغم من أن الدراسة تناولت الأطباء والممرضين، إلا أنني ومن خلال تجربتي كأم لطالب طب أصبح اليوم طبيبًا—أؤكد أن ما يعيشه طلبة الطب في سنواتهم المتقدمة لا يقل قسوة عن الواقع المهني نفسه. لقد عشت تفاصيل هذا الطريق يومًا بيوم؛ رأيت كيف تتحول ساعات الدراسة الطويلة إلى قلق دائم، وكيف يصبح الامتحان حدثًا وجوديًا، وكيف يُثقل الخوف من الفشل قلب الطالب قبل عقله. كان ابني يجتهد، ينجح، يتقدم، لكنني كنت أرى خلف هذا النجاح تعبًا صامتًا، وإجهادًا يتراكم، وقلقًا لا يُقال. ولم يكن خوفي عليه فقط من الامتحان، بل من ذلك التقييم الاجتماعي القاسي الذي يربط قيمة الإنسان بنتيجته، ويجعل أي تعثر حتى لو كان بسيطًا محل حكم وتوقعات وضغوط.

من هذا المنظور، لا يمكن أن نقرأ حادثة انتحار طالبة الطب كحالة فردية معزولة، بل كنتاج تفاعل معقد بين ضغوط اجتماعية عالية، وتوقعات أسرية ومجتمعية مرتفعة، وبنية ثقافية تميل إلى تمجيد الإنجاز وتغفل الإنسان. طالب الطب، وكذلك طالب الهندسة، لا يحمل كتبه فقط، بل يحمل نظرة المجتمع إليه، وتوقعات أسرته، وصورته التي لا يريد أن تهتز. وحين تتراكم هذه الأثقال دون متنفس نفسي آمن، يصبح الصمت هو اللغة السائدة، ويصبح الألم غير المرئي أكثر خطورة من أي فشل ظاهر.

الانتحار ظاهرة اجتماعية معقدة ليست أحادية العامل، بل هي نتاج تفاعل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي لا يمكن اختزالها في سبب واحد. ومن غير العادل اختزال المسؤولية أو تحميلها لجهة واحدة بعينها، فإلقاء اللوم الكامل على الجامعة هو ظلم جائر، لأنه يتجاهل شبكة العوامل الأوسع التي تحيط بالفرد، بدءًا من الضغوط الذاتية، مرورًا بالتوقعات الأسرية والمجتمعية، وصولًا إلى طبيعة المرحلة العمرية والتخصص الدراسي وما يرافقه من تحديات.

ما تؤكده نتائج بحثنا هو أن الضغوط لا تقتل وحدها، بل يقتل أيضًا غياب الدعم، وانخفاض الشعور بالرضا، والإحساس بأن الإنسان مُقيَّم دائمًا ولا يُحتضن بما يكفي. وهنا تبرز مسؤولية الأسرة أولًا. الأسرة ليست فقط جهة متابعة للعلامات، بل هي خط الدفاع الأول عن الصحة النفسية للأبناء. ليس المطلوب أن نسأل أبناءنا دائمًا: "كم حصلت؟" بل أن نسألهم بصدق: "كيف تشعر؟". أن ننتبه لتغيرات مزاجهم، لصمتهم، لانعزالهم، لقلقهم الذي قد لا يجد طريقه إلى الكلمات. أن نمنحهم مساحة آمنة يقولون فيها إنهم متعبون دون أن يشعروا بأنهم خذلونا. أن نؤكد لهم أن قيمتهم لا تُختصر في معدل، وأن تعثرهم لا يلغي إنسانيتهم ولا مكانتهم.

كما أن للأستاذة الذين يتعاملون مع الطلبة بشكل مباشر دورًا لا يقل أهمية. فالأستاذ ليس ناقل معرفة فقط، بل شريك في تشكيل بيئة تعليمية إنسانية. نظرة متفهمة، كلمة دعم، مرونة في التعامل مع الضغوط، انتباه لإشارات الإرهاق أو التراجع، كلها قد تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة طالب يعيش على حافة القلق. إن التلمّس المبكر للاحتياجات النفسية، وتوفير قنوات دعم حقيقية داخل الكليات، ليس ترفًا، بل ضرورة، خاصة وأن الجامعات توفر بالفعل كافة وسائل الدعم النفسي والاجتماعي من خلال مكاتب الإرشاد والخدمات المتخصصة، إلى جانب جهود أساتذة أقسام علم الاجتماع وعلم النفس الذين لا يقصّرون في تقديم الاستشارات والمساندة للطلبة.

ورغم توفر هذه الخدمات وتعددها داخل الحرم الجامعي، إلا أن المشكلة تكمن في أن بعض الطلبة لا يلجأون إليها، إما لعدم امتلاكهم الوعي الكافي بأهمية طلب المساعدة، أو بسبب الخوف من نظرة الأسرة والمجتمع، وما يرتبط بذلك من وصم اجتماعي، أو التردد في البوح بمشكلات يُنظر إليها على أنها أسرار شخصية شديدة الخصوصية. وهذا ما يجعل كثيرًا منهم يفضلون الصمت على طلب الدعم، رغم حاجتهم الحقيقية له، وهو ما يستدعي منا جميعًا—كأسر ومؤسسات—تعزيز ثقافة اللجوء إلى المختصين، والتأكيد على أن هذه الخدمات تُقدَّم بسرية تامة وبمهنية عالية، وأن طلب المساعدة هو سلوك واعٍ ومسؤول لا ينتقص من قيمة الإنسان بل يحميه.

إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط إعادة التفكير في الضغوط الاجتماعية التي نضعها على أبنائنا، بل أيضًا في الطريقة التي نُعرّف بها النجاح. النجاح ليس أن نصل بأي ثمن، بل أن نصل ونحن بخير. ليس أن نحافظ على صورة متفوقة أمام الناس، بل أن نحافظ على توازننا الداخلي. أبناؤنا في تخصصات الطب والهندسة ليسوا مشاريع إنجاز فقط، بل بشر لهم طاقة وحدود ومشاعر تحتاج إلى رعاية.

هذه الحادثة المؤلمة يجب أن تكون لحظة وعي جماعي؛ أن نُعيد النظر في خطابنا مع أبنائنا، في توقعاتنا منهم، في طريقة تقييمنا لهم، وفي قدرتنا على احتضانهم حين يضعفون. فالخسارة الحقيقية ليست في انخفاض علامة، بل في فقدان إنسان كان يمكن أن يُنقذ لو وجد من يسمعه، ويفهمه، ويقول له: أنت أهم من كل نتيجة.

رحم الله هذه الطالبة، وجعلها في رحمة الله الواسعة، وألهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان.