نضال البطاينة يكتب :-كفى تنظيرا على الأردنيين

باتت محطات التلفزة ووسائل التواصل الإجتماعي تعجّ بعدد محدود من الشخوص الذين أصبحوا يمتهنون التنظير يومياً على الأردنيين يعلمون المواطن كيف يحب بلده ويخلص له، مُتناسين هؤلاء أن الأردنيين هم أكثر شعوب الدنيا إخلاصاً لوطنهم وبالفطرة ولا يحتاجون دروساً من "طارئين"، كانوا بالأمس في الشوارع والميادين يقذفون أبنائنا من منتسبي الأمن العام بالحجارة، وكانت حناجرهم تصدح على مُكبرات الصوت بأقسى عبارات الكُفر بثوابتنا الوطنية حتى أن وصل الأمر بتاريخ البعض بأن إضطلع تاريخيا في أعمال تخريبية في منشآت وصروح وطنية، والبعض الآخر اصطف على أبواب السفارات شاكياً أو مُستجدياً.
أتُنظّرون اليوم على من روت دماء آبائه وأجداده تراب الكرامة والسموع واللطرون وباب الواد!
أتنظرون على من رضع حب البلد مع حليب الأمهات، وما زال يُقلّب كل يوم صور وخطابات الحسين الباني ووصفي وحابس! .
أتنظرون على من من يطرب كل يوم على "حِنا ذعار العدا" و"تخسى يا كوبان" و"قد أحببناه وبايعناه" و"عرشك مرمر ما بيتكسر" و"لبسني شعار الجيش" و"أردن أرض العزم أغنية الضبا" و"هذا الأردن أردنا"!
إن الفرق بين المُنظِّر والمُنظَّر عليه واضح؛ فالمُنظَّر عليه شريكٌ في هذا الوطن على "المُرّة" قبل "الحلوة"، ولا ينتظر مَغنم ويعيش على القليل ولا يتأثر ولاؤه حتى لو عتب، أما المُنظِّر فهو في الغالب "شريك مضارب" بهذا الوطن أي "شريك عالمربح" أما إذا كان هنالك أي "مخسر" أو تأثر في "حقوقه المكتسبة" فينقلب على أعقابه وتتبدل مواقفه ويبدأ شوطاً جديداً في إبتزاز المنظومة تلميحاً وصراحة.
نحن اليوم بحاجة إلى رجال دولة ومنظرين حقيقيين يثق بهم الأردنيين ليكونوا عونا لسيد البلاد الذي لا يثق الأردني حاليا إلا به وبالقوات المسلحة ، نعم بحاجة لنموذج أو حتى جزء من نموذج خالد الكركي وعبد الهادي المجالي وأحمد عبيدات ومحمد عدنان البخيت وعبد الرؤوف الروابدة وعبد الجليل المعايطة وناهض حتر وحبيب الزيودي وعلي محافظة -رحم الله من توفي منهم وأطال بعمر من هم على قيد الحياة-، فهؤلاء أمثلة وليسوا قائمة حصرية، فالأردني يقبل بالعسكري منظراً عليه، والسياسي والأديب والتربوي والمؤرخ والإعلامي الذي يشبهه ويتسق تاريخه مع تاريخ هذا البلد، والذي إن رآه الأردني عرفه واطمئن إليه، فهؤلاء ومن على شاكلتهم هم العناوين التي يعرفها الأردنيون جيداً.
الأردني يثق بمن يعرفون أن صبحا وصبحيه ليستا اسم شقيقات إنما قريتين متجاورتين في المفرق، وأن فارة ليست نوع من القوارض إنما الإسم القديم لقرية الهاشمية في عجلون، وأن قِطَر ليست الدولة العربية الشقيقة فقط إنما بلدة أردنية جهة العقبة، ونحلة ونقب الدبور لا تمت لخلايا النحل بصلة إنما قريتين أردنيتين جميلتين الأولى في جرش والثانية في السلط ، وموميا ليست من مخلفات الفراعنة إنما منطقة جميلة في الكرك، والبارحة هي منطقة في إربد ولكنها شامخة اليوم.
أما المتسلقون فلا مكان لهم في وجدان الأردنيين ويضرّون جداً بالرسالة التي تسعى الدولة إلى إيصالها، خصوصا أن الأردني بطبعه لا يحتاج لتسويق رواية دولته وظروفها فهو يفهمها "على الطاير"، ولكن لا يجوز ترك فراغ لأن الطبيعة لا تحتمل الفراغ وعليه يجب أن يَملئ هذا الفراغ أردنيين ثقات ويثق بهم المجتمع الأردني.
ومن جانب آخر، فقد يكون كلامي هذا ثقيلاً على البعض؛ لكنها الحقيقة، أن الأردني لا يثق حالياً إلا بخطاب جلالة الملك والقوات والمسلحة خصوصاً في ظل ضعف الثقة بالخطاب الرسمي ورواية السلطتين التشريعيّة والتنفيذية.
إن نصيحتي لمنظري اليوم إن أصروا على الإستمرار في الظهور؛ أن يُقلّوا ويزهدوا في إطلالتهم على الأردنيين رأفة بالأردنيين وخدمة للصالح العام، وحتى إن ظهروا فلتكن مصطلحاتهم أبسط وأقرب للناس وأن يخففوا من التنظير مُحتوى وأسلوب وليكن ما يقومون به خالص لوجه الله ولمصلحة الأردن، أما نصيحتي لمن يدير المشهد الإعلامي هي وقف إختزال الأردن وروايته بذات الأشخاص المعدودين على الأصابع، ممن لا يتسق تاريخهم مع رواية الدولة وتاريخها، فالمواطن الأردني ذكي جداً ويميز و"يروز " المُنظّرين جيداً ويعلم أن فاقد الشيء لا يعطيه، كما أنصح بالبدء فورا بعلاج الظاهرة الخطيرة المُتمثلة بعدم ثقة المواطن بالخطاب الحكومي وذلك بوضع إستراتيجية تبدأ بتغيير الأدوات والتركيز على الوضوح والمكاشفة وعدم إستفزاز المواطن وإحترام تفكيره وأن يكون من يروي هذا الخطاب يشبه الناس.
وأخيراً فالمشهد اليوم مُختلف والضغط غير مسموح على عصب الدولة أو بالمعنى الأدقّ على شعرة الإستقرار المجتمعي التي ما فتئت الدولة من جُهدها للمحافظة عليها في ظِل مناخ جيو-سياسي قاهر.
حمى الله الأردن شعبا وقيادة، وسياجنا القوات المُسلّحة والأجهزة الأمنية
















