د. احمد عوض النعيمي : من تآكل المدخرات إلى خلق الفرص: دور دعم المشاريع الصغيرة في تعزيز استقرار الأسر

أصدر البنك المركزي الأردني تقريره حول مؤشرات الصحة المالية للأفراد في الأردن للفترة 2023–2025، مبني على نتائج مسح وطني شمل مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالادخار، الاستهلاك، الدخل، والقدرة على التخطيط المالي، إضافة إلى مؤشرات عن الاعتماد على المساعدات والقدرة على مواجهة النفقات الطارئة. هدف التقرير إلى عرض تحليل موجز ومفصل لنتائج الملحقين، وبيان أهم التغيرات بين الأعوام، والاستنتاجات والتوصيات العملية المستندة إلى بيانات البنك المركزي.
تشير المؤشرات الأخيرة إلى أن الوضع المالي للأفراد في الأردن يمر بمرحلة من الهشاشة المتصاعدة، تتطلب استجابة متكاملة تجمع بين إجراءات فورية ودراسات هيكلية تعيد بناء قدرة الأسر على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية. على مستوى المعيشة اليومية، يعاني عدد كبير من الأسر من تآكل المدخرات وضعف القدرة على تغطية النفقات الطارئة، وهو ما ينعكس سريعاً على سلوك الاستهلاك والقدرة على الوفاء بالالتزامات الأساسية مثل الغذاء والتعليم والرعاية الصحية.
تحليل اتجاهات الدخل وسوق العمل يكشف عن جذور المشكلة. انتشار أشكال عمل غير مستقرة وأجور منخفضة لدى شرائح واسعة من القوة العاملة يقلل من قابلية الأسر لتكوين احتياطي مالي يكفي لمواجهة أي طارئ. كما أن العامل الموسمي وغير الرسمي يحد من إمكانية الوصول إلى شبكات أمان اجتماعي فعّالة أو إلى منتجات مالية ملائمة تشجع على الادخار. النتيجة هي تفاوت متزايد بين من يمتلكون دخلاً ثابتاً واستقراراً نسبياً، ومن يعتمدون على دخل متقطع يجعلهم عرضة للصدمات ويزيد من احتمالات لجوئهم إلى الاستدانة.
من ناحية سلوكية، يبرز نقص الثقافة المالية كعامل معيق للاستقرار. كثير من الأسر تفتقر إلى أدوات التخطيط المالي البسيطة كإعداد ميزانية شهرية أو إنشاء صندوق للطوارئ، مما يجعلها تستجيب بشكل طارئ للأزمات بدلاً من إدارة مخاطر محسوبة. كما أن محدودية الوصول إلى منتجات ادخارية وتسهيلات ائتمانية ميسرة تحرم شريحة واسعة من فرص بناء ملاءة مالية تدريجية.
الانعكاسات الاجتماعية لهذه الوضعية واضحة ومقلقة؛ فالضغوط المالية المستمرة تولد آثاراً صحية ونفسية تمتد إلى الأطفال والكبار على حد سواء، وقد تؤدي إلى تدهور نتائج التعليم وانخفاض إنتاجية العمل، وهو ما يعيد تشكيل منظومة التكلفة الوطنية على المدى المتوسط والبعيد.
لمعالجة هذا الواقع، لا تكفي الإجراءات الجزئية أو الحلول قصيرة المدى فحسب، بل يلزم مزيج من السياسات الحكومية والقطاع المصرفي والمبادرات المجتمعية. على المستوى الفوري، يتطلب الأمر توجيه واستهداف للأسر الأشد هشاشة لتخفيف الضغوط اليومية ومنع الانزلاق في دائرة الديون. على مستوى السياسات الاقتصادية يجب العمل على خلق فرص عمل عبر تحفيز الاستثمارات ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تُعد محركاً أساسياً للتوظيف المحلي.
في الوقت نفسه، يجب تسريع جهود الشمول المالي عبر تصميم منتجات ادخارية تناسب ذوي الدخل المحدود، وتسهيل الوصول إلى خدمات مالية رقمية آمنة وشفافة. ولا يقل أهمية عن ذلك إطلاق حملات وطنية للتثقيف المالي التي بادر البنك المركزي الاردني، تستهدف صنع عادات ادخارية بسيطة وتعليم إدارة الميزانية الشخصية والادارة الحذرة للديون.
إن تعزيز مرونة الأسر المالية يتطلب خطة متوازنة تجمع بين الدعم الممنهج وإصلاحات هيكلية طويلة المدى. الاستثمار في بناء ثقافة ادخارية، وتوفير فرص اشتغال على مستوى ما بين الكفاية والأمان، وتطوير شبكة حماية اجتماعية فعالة، كلها عناصر ستحد من هشاشة الطبقات الأضعف وتساهم في استقرار الاقتصاد الوطني. التأخر في اتخاذ هذه الخطوات سيكلف المجتمع أكثر اقتصادياً واجتماعياً على المدى المقبل، لذا فالمعالجة الآن أفضل وأوفر من التعامل مع تداعيات عميقة لاحقاً.



















