+
أأ
-

لما جمال العبسة : تفكيك ورقة المضائق لتعزيز اللامركزية اللوجستية

{title}
بلكي الإخباري

لعقود طويلة، ارتكزت هندسة التجارة العالمية وأمن الطاقة على عدد محدود من الممرات المائية الضيقة، وشكلت مضائق مثل «هرمز» و»باب المندب» شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت ذاته، تحولت في القاموس الجيوسياسي إلى نقاط اختناق «Choke Points»، هذه المضائق لم تعد مجرد ممرات عبور تجارية، بل أدوات ضغط غير متماثلة، وأوراق ابتزاز سياسي واقتصادي في أيدي القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية بهدف فرض الهيمنة وتطويق الاقتصادات الناشئة.

إلا أن التحولات الأخيرة في بنية الاقتصاد العالمي والمشهد الجيوسياسي، وتحديداً الحرب الامريكية الصهيونية على ايران كشفت عن مسار عالمي جديد يتجه نحو استراتيجية «تقليل المخاطر»، هذا المسار يهدف فعلياً إلى «حرق ورقة المضائق» عبر ضخ استثمارات رأسمالية ضخمة لخلق شبكة من البدائل اللوجستية متعددة المسارات، تعيد توزيع النفوذ التجاري وتكسر الاحتكار الجغرافي.

من منظور اقتصادي بحت، فإن الارتهان لممر مائي واحد يحمل مخاطر كارثية، فمضيق هرمز، على سبيل المثال، يعبر من خلاله ما يقارب 20 % من الاستهلاك العالمي من النفط، أي إن أي تصعيد عسكري أو حتى مجرد التلويح بإغلاق المضيق لا يهدد فقط الإمدادات المادية، بل يفرض فوراً «ضريبة غير مرئية» على الاقتصاد العالمي تتجلى في قفزة مفاجئة في أسعار النفط تحت بند علاوة المخاطر الجيوسياسية، وارتفاع حاد في أقساط التأمين البحري ضد أخطار الحرب، هذه التكاليف الإضافية تستنزف ميزانيات الدول المستوردة والمصدرة على حد سواء.

هنا نذكر بأن قوى اقتصادية كبرى مثل الصين وروسيا أدركت مبكراً أن الاعتماد الكلي على المضائق التقليدية يضع أمنها القومي والاقتصادي تحت رحمة تقلبات السياسة الغربية، لذلك، شرعت هذه الدول في توجيه نفقات رأسمالية بتريليونات الدولارات لتطوير ممرات بديلة، مثل «طريق بحر الشمال» الروسي، الذي يقلص مسافة الشحن إلى آسيا بنسبة تصل إلى 40 %، ومبادرة «الحزام والطريق» الصينية بشبكتها المعقدة من السكك الحديدية والموانئ الجافة، ليسا مجرد مشاريع نقل عادية؛ بل هما استثمار استراتيجي طويل الأجل لفك الارتباط بالمضائق التي تهيمن عليها الأساطيل الغربية، وبناء استقلالية اقتصادية مستدامة.

اما في منطقتنا العربية، فقد بدأت دول الخليج العربي تعيد صياغة استراتيجياتها الاقتصادية بعد أن أدركت أن رهن إيراداتها السيادية بسلامة الملاحة في «هرمز» أو «باب المندب» لم يعد خياراً استثمارياً آمناً، من هنا، تسارعت وتيرة العمل على مشاريع بديلة تعمل كـ «صمامات أمان اقتصادية».

نرى اليوم مساعي حثيثة لتجاوز نقاط الاختناق، فعلى سبيل المثال العراق يدرس بجدية خيارات الربط الأنبوبي نحو البحر المتوسط، وتركيا تسعى لتعزيز مكانة ميناء «جيهان» كمركز عالمي للطاقة، في حين يبرز ميناء العقبة الأردني كمنفذ بحري مستقر وآمن على البحر الأحمر، ورغم أن هذه البدائل البرية والأنبوبية قد لا تستطيع فوراً منافسة «اقتصاديات الحجم التي توفرها ناقلات النفط العملاقة عبر البحر، إلا أنها توفر مرونة حاسمة تمنع الشلل التام لأسواق الطاقة الإقليمية في أوقات الأزمات.

إن التفكير الاستراتيجي والاقتصادي بعيد المدى يفرض إعادة النظر في دور المضائق؛ لتتحول في الوعي المالي والسياسي من «نقاط قوة مطلقة» إلى «نقاط ضعف محتملة» يجب التحوط ضدها.

العالم اليوم يطوي صفحة «الاحتكار اللوجستي» ويتجه نحو حقبة جديدة من اللامركزية في سلاسل التوريد، فكلما تنوعت البدائل اللوجستية وزادت مرونتها، تآكلت قدرة أي طرف دولي على استخدام المضائق كسلاح دمار اقتصادي شامل، يبرز الاستثمار في البنية التحتية البديلة، وهو اليوم لم يعد مجرد ترف تنموي أو مشروع لتحفيز النمو، بل هو ضرورة وجودية وأداة رئيسية لإدارة المخاطر، لصياغة جغرافيا جديدة لتجارة عالمية أكثر استقلالية، وأقل عرضة لتقلبات الابتزاز السياسي