م. ايهاب ( محمد امين ) قادري : الضمان بين التشريع والاستثمار: الاستدامة تُبنى على الحوكمة لا على المسميات

يدور اليوم نقاش وطني واسع حول مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي. وأيًا كانت زاوية النظر، يبقى الهدف المركزي الذي يجب أن يتفق عليه الجميع واضحًا: حماية حقوق المؤمن عليهم والمتقاعدين عبر تعزيز الاستدامة وتأخير "نقطة التعادل” في الدراسة الاكتوارية. وهذا الهدف لا يتحقق بإجراء واحد، بل بمنظومة متكاملة تُوازن بين العدالة الاجتماعية والقدرة المالية على الوفاء بالالتزامات على المدى الطويل.
ومن منظور اقتصادي، تقوم الاستدامة على معادلة بسيطة: التدفقات الخارجة (الالتزامات) مقابل التدفقات الداخلة (الاشتراكات وعوائد الاستثمار). لذلك فإن الإصلاح الحقيقي يقوم على قدمين لا على قدم واحدة: مسار تأميني/تشريعي يضبط الالتزامات بعدالة وتدرّج، ومسار استثماري يعظّم العوائد المستقرة ويرفع كفاءة إدارة الأصول.
أولًا: المسار التأميني والتشريعي.
المنطق هنا مفهوم: ضبط التقاعد المبكر وتنظيم شروط الاستحقاق تدريجيًا يمكن أن يخفف الضغط المالي على النظام. لكن نجاح هذا المسار يتطلب "عدالة انتقالية” تُشرح للناس بلغة واضحة، وسياسات مرافقة لسوق العمل حتى لا يتحول الإصلاح إلى بطالة مقنّعة أو خروج غير منظم من سوق العمل. كما أن توسيع الشمول والحد من التهرب التأميني يرفع الإيرادات ويعزز العدالة بين الملتزم وغير الملتزم، وهو عنصر لا يقل أهمية عن أي تعديل في شروط التقاعد.
ثانيًا: الإصلاحات الإدارية واستحداث منصب "المحافظ”.
تطوير الهيكل الإداري للمؤسسة وتعزيز استقلاليتها هدف مشروع ومطلوب، لكن الاستقلالية لا تتحقق بمجرد استحداث مسمى جديد. المطلوب نصوص قانونية صريحة تحدد بدقة صلاحيات المحافظ، وعلاقته بمجلس الإدارة، وآليات مساءلته وتقييم أدائه. والأهم أن يُحسم تشريعيًا ملف الموظفين والمرجعية الوظيفية: هل سيبقون ضمن ديوان الخدمة المدنية وأنظمة الخدمة العامة، أم سيكون للمؤسسة نظام موارد بشرية خاص ينسجم مع طبيعتها ومتطلبات الحوكمة والكفاءة؟ ترك هذا الملف في دائرة الاجتهاد يفتح باب التفسير، وقد يحول الاستقلالية إلى عنوان شكلي بدل أن تكون استقلالية مؤسسية منضبطة.
ثالثًا: المسار الاستثماري… لأن العائد جزء من الحل لا هامش فيه.
إذا كنا نبحث عن تأخير نقطة التعادل بأقل كلفة اجتماعية، فإن تعظيم عوائد الاستثمار المستقرة يصبح ركيزة أساسية. وهنا تبرز أهمية أن يبقى صندوق استثمار أموال الضمان مؤسسة مستقلة بولاية استثمارية واضحة، مع تطوير الحوكمة ونظام المساءلة، بدل تمييع الاستقلالية الاستثمارية ضمن صيغ إدارية قد تضعف وضوح المسؤولية أو سرعة القرار المهني طويل الأجل. وسأعود للحديث عن تطوير الشق الاستثماري وحوكمته بمزيد من التفصيل في مقال لاحق.
أن نجاح أي تعديل بالقانون لا يقاس بنصوصه فقط، بل بقدرته على بناء "حزمة استدامة” متكاملة: تشريع عادل تدريجيًا، وإدارة مؤسسية واضحة الصلاحيات والمساءلة، وذراع استثماري مستقل ومحكوم بالحوكمة يعظم العائد المستدام. بهذه المعادلة فقط، نؤخر نقطة التعادل بثقة… ونحمي حقوق الناس واقتصادنا معًا.
خبير اقتصادي – نائب رئيس سابق لمجلس استثمار أموال الضمان الاجتماعي (من القطاع الخاص

















