المجالي يكتب :- السردية المغلقة: تبرير السلطة باسم الأمن

كتب المحامي زياد ياسين المجالي :- ما يُطرح اليوم تحت مسمى السردية الأمنية ليس اكتشافًا متأخرًا لحقيقة غائبة بل محاولة مُعاد تدويرها لفرض رواية أحادية تُلبس العمل الأمني ثوب القداسة والعصمة المطلقة وتُخرجه من دائرة المساءلة، وهذا بحد ذاته ليس فقط تضليلًا بل انحرافٌ خطير عن أبسط قواعد الدولة الدستورية.
الدولة لا تُدار بالصمت ولا تُبنى على ما لا يجب أن يُشرح، فهذا منطق يتناقض جذريًا مع فكرة الدولة الحديثة التي تقوم على الشفافية والمسؤولية وخضوع جميع السلطات، بما فيها الأمنية، لرقابة القانون.
حين يُقال إن الإنجاز أهم من الشرح فذلك يعني ببساطة تبرير تغييب الحقيقة وفتح الباب واسعًا أمام تجاوزها. أما الادعاء بأن الأمن كان هو السياسة نفسها فهو اعتراف خطير لا مديح، لأن خلط الأمن بالسياسة يعني تآكل المجال المدني وإضعاف المؤسسات التمثيلية وتحويل الدولة من كيان يحكمه الدستور إلى منظومة تُدار بعقل أمني مغلق.
السياسة بطبيعتها فعل علني تعددي خاضع للنقاش والمحاسبة، أما الأمن فوظيفته محددة كحماية النظام العام ضمن حدود القانون لا أن يحل محل الحياة السياسية أو يصادرها.
الحديث عن إخفاء الحقيقة لأن المرحلة تقتضي هو من أكثر العبارات التي استُخدمت تاريخيًا لتبرير الفشل أو التمدد غير المشروع للسلطة، فالحقيقة لا تُخفى لحماية الدولة بل تُخفى غالبًا لحماية من يُديرها من المساءلة، والدول التي تعتمد على الإخفاء كمنهج دائم تُنتج هشاشة داخلية مهما بدا ظاهرها مستقرًا.
ثم إن تصوير الأمن كأداة إدارة دولة في إقليم مضطرب هو طرح يتجاهل حقيقة أساسية بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على القبضة الأمنية بل على الشرعية السياسية والعدالة الاجتماعية وثقة الناس بمؤسساتهم، والأمن قد يمنع الانفجار لكنه لا يبني دولة قابلة للحياة على المدى الطويل.
لا أحد ينكر وجود جهود أمنية ولا أحد يجادل في أهمية حماية الدولة، لكن تحويل هذا الجهد إلى سردية تبريرية مغلقة يُطلب من الناس التصفيق لها دون نقاش هو تقزيم للعقل العام وإهانة لفكرة المواطنة نفسها.
الاعتراف بالجهد لا يعني تعطيل النقد، كما أن حماية الدولة لا تعني تحصين مؤسساتها من المساءلة. والدولة القوية ليست تلك التي تُخفي بل التي تشرح، وليست التي تُطالب بالصمت بل التي تحتمل السؤال، وليست التي تخلط الأمن بالسياسة بل التي تضع لكل منهما حدوده الواضحة تحت سقف ومظلة الدستور.
وما عدا ذلك ليست سردية دولة بل رواية سلطة وعلى قاعدة: لا أريكم إلا ما أرى.


















