+
أأ
-

أ. د. هاني الضمور : نحو إعادة تشكيل الجامعات الأردنية: من التعليم العام إلى بناء العقول القيادية والتخصصية

{title}
بلكي الإخباري

قد تُدمَّر المعامل، وتُغلق المؤسسات، وتتعرض البنية التحتية التعليمية لأشد التحديات، لكن المعرفة لا تُقبر؛ لأنها لا تسكن الجدران، بل تعيش في العقول. ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأردن اليوم لا يتمثل في توسيع التعليم بقدر ما يتمثل في إعادة تعريف وظيفته.

لقد نجح الأردن خلال العقود الماضية في توسيع قاعدة التعليم العالي، لكنه اليوم يقف أمام مرحلة جديدة تتطلب الانتقال من الكم إلى النوع، ومن التعليم العام إلى التعليم الموجّه الذي يخدم أولويات الدولة ويعزز قدرتها على الصمود والتنافس. فالعالم لم يعد يقيس قوة الدول بعدد الجامعات، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة النوعية وبناء الإنسان القادر على إدارتها.

إن النموذج التقليدي للجامعات، القائم على التخصصات المتشابهة والبرامج المكررة، لم يعد كافيًا لمواجهة التغيرات العالمية المتسارعة. بل إن هذا النموذج قد يساهم في إنتاج معرفة ضعيفة التأثير، وعقول غير قادرة على المبادرة أو الابتكار. لذلك، يصبح من الضروري الانتقال إلى نموذج جديد يقوم على التخصص الوظيفي للجامعات، بحيث يكون لكل جامعة دور واضح في بناء جزء من القوة الوطنية.

في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى إنشاء مسارات جامعية متخصصة في إعداد القيادات الوطنية القادرة على إدارة مؤسسات الدولة بكفاءة ورؤية استراتيجية، تجمع بين الفهم العميق للواقع المحلي والانفتاح الواعي على التجارب العالمية. كما تبرز الحاجة إلى جامعات تقنية متقدمة تركز على إنتاج المعرفة التكنولوجية، لا استهلاكها، وتكون قادرة على ربط البحث العلمي بالاقتصاد الوطني وتحويله إلى قيمة مضافة حقيقية.

إن التجارب الدولية تؤكد أن هذا التحول ليس خيارًا نظريًا، بل مسار أثبت نجاحه. فقد بنت سنغافورة نموذجها التعليمي على ربط الجامعات مباشرة باحتياجات الدولة، وأسهمت National University of Singapore في إعداد قيادات إدارية وتقنية قادت التحول الاقتصادي للدولة. كما اعتمدت كوريا الجنوبية على مؤسسات متخصصة مثل KAIST، التي لعبت دورًا محوريًا في بناء اقتصاد قائم على المعرفة.

وفي فرنسا، تم تطوير مؤسسات نوعية لإعداد النخب القيادية، مثل Ecole nationale d’administration؛ ما يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية التخصص في بناء الدولة. أما في الولايات المتحدة، فقد أصبحت جامعات مثل Massachusetts Institute of Technology منصات لإنتاج المعرفة والتكنولوجيا، وليس مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية.

إن هذه النماذج تشير بوضوح إلى أن التقدم لا يتحقق من خلال تعميم التعليم، بل من خلال توجيهه استراتيجيًا. وهذا ما يحتاجه الأردن اليوم؛ ليس مزيدًا من الجامعات المتشابهة، بل منظومة تعليمية متكاملة تقوم على التخصص، وتربط المعرفة باحتياجات الدولة، وتستثمر في بناء العقل القادر على الإنتاج لا الاستهلاك.

إن إعادة تشكيل الجامعات الأردنية وفق هذا التصور تمثل فرصة استراتيجية لتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبلية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتحصين الهوية الوطنية في ظل العولمة. فالمعرفة التي تُبنى في العقول لا يمكن تدميرها، وهي الضمان الحقيقي لاستمرارية الدولة وقوتها.

إن الاستثمار في العقول لا يمكن خسارته، وهو الطريق الأقصر لبناء مستقبل أردني أكثر قوة.