القس سامر عازر يكتب : الوصول إلى القدس… والحرمان من الدخول للصلاة في قيامتها وأقصاها

القس الأب سامر عازر
القدس ليست مدينة كسائر المدن، بل هي حالة روحية عميقة تسكن وجدان كل من يشتاق إلى الله. هي العاصمة الروحية الأبدية لكل من ينوي تقديس الروح والسمو بها إلى عُلا السماوات.
وعلى مرّ العصور، أمّها الملايين لا بدافع الزيارة العابرة، بل بدافع الشوق إلى الصلاة، إلى الانسكاب أمام الله، إلى السير في أزقتها وحاراتها واستنشاق عبق تاريخها المقدس. هناك، حيث تُضاء الشموع، ويصعد البخور كعطرٍ روحي نحو السماء، حاملاً صلوات البشر وآلامهم ورجاءاتهم، طلبًا للغفران والبركة والقوة في مواجهة أعباء الحياة.
لكن القدس اليوم تبدو حزينة، وكأنها تفتقد نبضها.
مدينةٌ اعتادت أن تضجّ بالحياة، بالحجاج والزوار والمصلين من كل أصقاع الأرض، أصبحت تعاني فراغًا موجعًا. أزقتها التي كانت تمتلئ بالتراتيل والتكبيرات، خلت إلا من صمتٍ ثقيل، وأسواقها التي كانت تعجّ بالحياة أغلقت أبوابها أو خفَتَت حركتها، فاختنق معها رزق أهلها، وضاق حال تجار البلدة القديمة الذين يعيشون من بركة هذا الحضور الإنساني والإيماني.
غير أن الوجع لا يكمن فقط في غياب الحجاج والزوار، بل في غياب القدرة على الوصول إلى المدينة المقدسة، وحتى دخول أبوابها. أما الوجع الأكبر، فهو أن تبلغ أبواب مقدساتها ولا يُسمح لك بالدخول للصلاة فيها. فالأبواب المؤدية إلى كنيسة القيامة مغلقة، ولا يُتاح للمؤمنين الدخول للصلاة، كما يُحرم الكثيرون من الوصول إلى المسجد الأقصى. وهذا جرح يتجاوز المكان ليصيب الروح في عمقها؛ شعور بالعجز أمام أبواب موصدة، في وقتٍ يُفترض أن تكون فيه السماء مفتوحة على الأرض.
في أسبوع الآلام، حيث تستعيد الكنيسة مسيرة الألم من أحد الشعانين حتى القيامة المجيدة، وحيث يُفترض أن تغصّ المدينة بالمؤمنين، وأن ترتفع الصلوات وتتردّد الترانيم وتُقرع الطبول الكشفية، نجد واقعًا مغايرًا: أبواب مغلقة، خطوات مقيّدة، ومصلّون محرومون من حقهم الطبيعي في العبادة. وكأن الألم الذي عاشه السيد المسيح في أيامه الأخيرة يعود اليوم في صورة جديدة، حيث يُحاصَر الإنسان في إيمانه قبل جسده. أيّ مفارقة هذه، أن تُغلق أبواب القيامة في زمن القيامة؟
في الوقت الذي يُفترض أن تعلو فيه الأصوات بالصلاة من أجل السلام، ووقف الحروب والعنف والكراهية، تُفرض القيود على من يريد أن يصلّي. وكأن الرسالة الروحية للقدس، التي كانت دائمًا رسالة انفتاح ولقاء، تُواجَه بمحاولات إغلاق وإقصاء.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "الكنيسة ليست جدرانًا، بل هي قلوب المؤمنين." لكن هذه القلوب، حين تُمنع من الاجتماع والصلاة، تنكسر بصمت، وتشتاق أكثر إلى لحظة اللقاء بالله في الأماكن التي شهدت تاريخ الخلاص.
ورغم كل هذا الحزن، لا تزال القدس تنبض بما هو أعمق من الألم. لا تزال أصوات الأذان تصدح من مآذنها، وأجراس الكنائس تقرع، وكأنها شهادة حيّة بأن الإيمان لا يُحاصَر، وأن العلاقة مع الله لا يمكن أن تُقيَّد. قد تُغلق الأبواب، لكن السماء تبقى مفتوحة. وقد يُمنع الإنسان من الوصول إلى الحجر، لكنه لا يُمنع من رفع قلبه إلى خالقه.
إن نور القيامة، الذي انبثق من القبر، لا يمكن أن يُحجب. هو نور تفجّر ليملأ العالم رجاءً، ويعلن أن الحياة أقوى من الموت، وأن النور أقوى من الظلمة، وأن الرجاء يولد من قلب الألم. القدس اليوم حزينة، نعم، لكنها ليست مدينة مهزومة، بل مدينة تنتظر فجرًا جديدًا. حزنها ليس نهاية، بل بداية رجاء..
رجاء بأن تعود كما كانت: مدينةً مفتوحة للصلاة، ملتقىً للقلوب، ومساحةً يلتقي فيها الإنسان بأخيه الإنسان قبل أن يلتقي بالله. رجاء بأن تعود أصوات المصلين تملأ أزقتها، وأن تُفتح أبوابها لكل من يقصدها بقلبٍ نقي.
ويبقى الرجاء أقوى من كل إغلاق، لأن القيامة، في جوهرها، هي إعلان الحياة حين يظنّ الجميع أن كل شيء قد انتهى.



















