في مِحْرابِ الوفاءِ لنساءِ الأسرى وأمهاتِهم

د. ريما الشهوان
مستشارة وزير الأوقاف للشؤون الأسرية
ما كان الانتظارُ على عتباتِ السجون انطفاءً للروح، ولا غياباً سلبياً يتجرعُ مرارةَ الوقت، بل عقدٌ إيمانيٌّ باذخ، وميثاقٌ ممهورٌ بختمِ الرضا بالقضاء، منذ اللحظة التي اختار فيها الخالقُ هذه القلوب لترعى أمانةَ الحرية في غيابِ أصحابها. حين تتلو الصابرةُ قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، فهي لا تقرأُ مواساةً، بل تشهدُ تنزيلاً لسكينةٍ ربانيةٍ تجعلُ من بيتِ الأسير مِحْراباً، ومن صمتِ ليلها تسبيحاً طويلاً لا ينقطع.
إنَّ صبرَ الأمِّ والزوجة أرفعُ من أن يكون تحمّلاً اجتماعياً، بل هو رتبةٌ من رتبِ الإحسان؛ إذ تُشدُّ عروةُ الثباتِ في البيت بعروةِ الصمود خلف القضبان. فالمرأةُ هنا لا تكون ناقصةَ حضور، بل تمامُ الوجود؛ تُديرُ رحى الحياةِ بيد، وتكفكفُ دمعَ الشوقِ بالأخرى، وكأنَّ بقاءَ القضية حيّة لا يكتمل إلا إذا انحنت هذه الروحُ إجلالاً لله، ثم وقفت كالجبل لا تُهزمه العواصف.
تتسامى لفظة الانتظار في قاموس هؤلاء النسوة عن كونها عجزاً يُقاس بالأيام، لتصبح إيماناً يُسلّم بالقدرة المطلقة للخالق على كسر القيد. الأسير لم يترك فراغاً، بل أورث معنى؛ وهب زوجته وأمه شرف حراسة الحكاية، وترك في عنقهن زمناً من الوفاء لا يُستعاد إلا بالصمود. كم مرةً أخفت الزوجة وحشتها كي لا يرى الأسير في عينيها انكساراً، وكم ابتسمت الأم وهي تحمل وجع السنين، لتبقي روح ابنها معلّقة بمدارج الأمل. نحن أمام يقينٍ لا يتزحزح، ودعواتٍ مخبوءة في سجود السحر، وقلقٍ رقيق لا يعرفه إلا قلبُ امرأةٍ آمنت أن الفَرَج اسمٌ من أسماء الله الحسنى.
ثم يهبط الوفاء من معانيه الكلية إلى أدق التفاصيل اليومية ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. الجمال هنا هو سترُ الوجع خلف رداء الكبرياء؛ أن تصير الزوجة الأبَ والأم، والمربيَ والمعيل، وهي لا تزال تحتفظ برائحة الغائب في ثنايا الذاكرة. تتبدل الموازين؛ فالتضحية التي كانت تُبذل في كنف الرجل، تُبذل في غيابه أضعافاً. إنها رحمةٌ تنزل على القلب، فتُحيل عتمة البيت ضياءً، ووحشة العمر أُنساً بالله.
ويبلغ الإيمان ذروته حين يُحاصر اليأس بيقين العودة ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾. ليست مجرد آية، بل موقفٌ يُتخذ. دعوةٌ لتهذيب النفس أمام تأخر اللقاء، وتطهير الصدر من ضيق المؤبد والسنوات العجاف. إن كان الصمت ممنوعاً في مقام الحق، فصمت هؤلاء النسوة صراخٌ في وجه الظلم. ما أكرم أن تُخفي المرأة شوقها، وتستبدله بصلابة تُرضي بها ربها، وتُغيظ بها سجان أحبّتها.
تتخطى العلاقة حدود انتظار غائب، لتصبح سِدْرَة وفاء مكتملة الأركان. الآباء والأزواج سهروا على ثغور الوطن، والنساء سهرن على ثغور البيوت والقلوب. ويُدعى العالم إلى أن يفهم معنى أن تكون المرأة الجناح الذي يرفرف فوق الزنزانة، والظل الذي يقي الأسير حر القيد، لا بوصفها عاطفة ممتدة، بل دولة صمود قائمة بذاتها.
ويكتمل المشهد باليقين أن الله لا يضيع أجر من أحسنت صبراً ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. إنه وعدٌ لا يخطئ. ربما تعجز اللغة عن وصف لحظة العناق المنتظر، لكن الرضا يحمل ما تعجز عنه الأجساد، ويرفع في القلب ثباتاً لا ينكسر.
فالوفاء لنساء الأسرى أرفعُ من أن يكون تكريماً يُسدى، بل شرفٌ أخلاقي نتشبث به، ووعيٌ يُدرك أن نصر الرجال يُصنع في حُجور النساء الصابرات. ومن فقه هذا الميثاق، لا ترى الأم أو الزوجة في ثباتها منّة، بل اكتمال رسالة؛ تعود إلى أصلها، وتصون السدرة التي استظل بها التاريخ أول مرة، ليكون صمودها امتداداً لرحمةٍ سكنت قلبها قبل أن تدرك معنى القيد.
حافظوا على إرث هؤلاء النسوة، فسيأتي يوم يُكتب فيه التاريخ بمداد دموعهن، وبخيوط صبرهن. عندها ستدركون أن أعظم ما في هذه الأرض لم يكن صمود الحجر، بل صمود قلب امرأة كانت تنتظر الفجر وهي تبتسم لليقين… فكانت هي الفجر قبل أن يطلع الصباح.
فكأنّ الله اصطفى هذه القلوب لتكون مرآةً للصبر حين يصفو، ولليقين حين يكتمل؛ لا لأنهنّ أقوى من الألم، بل لأنهنّ أصدقُ وجهاً لله حين يشتدّ البلاء، وقد أيقنَّ في خلواتهن قبل جهرهن أنّ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. يمضين في أعمارٍ مثقلةٍ بالغياب، لكنّهن لا يفقدن الطريق، لأنهنّ لم يربطن الرجاء بموعد اللقاء، بل ربطْنه بوجه الله الذي لا يغيب. وفي كل ليلةٍ يطول فيها الانتظار، كنّ يُعيدن ترتيب الحنين في قلوبهن ليبقى طاهراً، ويُسلّمن الوجع كما يُسلَّم الدعاء، فيصعد خفيفاً إلى السماء. حتى إذا أشرقت لحظة الفرج، لم تكن ولادة حدثٍ جديد، بل كشفاً عن يقينٍ قديم، عاش في صدورهن طويلاً… كأنهنّ ما انتظرن الغائب يوماً، بل كنّ ينتظرن وعد الله، فكنّ هنّ الوعد، وكان الله عند ظنّهن دائماً.



















