+
أأ
-

د. يوسف منصور : عمّان وإسطنبول، إجراءات وحوافز

{title}
بلكي الإخباري

 

أقر الأردن أخيراً (نيسان 2026) تعديلات جديدة على نظام بيئة الاستثمار ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، وأعلنت تركيا خلال الشهر ذاته حزمة استثمارية قوية جداً. لا بد من الإشارة الى أن الحراك من قبل البلدين لجذب الاستثمارات في ظل التطورات الأخيرة في المنطقة مهم جدا لكليهما.

 

الإصلاحات الأردنية في جوهرها إصلاحات مؤسسية وتنظيمية عميقة هدفها تقليل التعقيد، ورفع الثقة، وتحسين بيئة الأعمال. فلقد ركّز الإصلاح الأخير في نظام الاستثمار في الأردن على تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية (إزالة التداخل بين الأنظمة، وتوحيد المفاهيم التنظيمية، وتقليل زمن وكلفة الترخيص) لنقل تشريعات الاستثمار من نظام إداري معقد إلى نظام أكثر وضوحاً وسرعة في التنفيذ.

كما قدمت التعديلات مفهوما جديدا منذ بداية القرن، وهو "الترخيص مقابل الالتزام" حيث يمكّن النظام إعطاء الترخيص قبل التنفيذ الكامل للإجراءات القانونية ليتم التحقق لاحقاً من الالتزام بها، وهو تحول مهم من "موافقة مسبقة صارمة" قد تؤدي الى تأخير بدء الاستثمار وبالتالي تأجيل الاستفادة منه إلى نظام قائم على الثقة والرقابة اللاحقة. وهي خطوة تحتاج الى مراقبة ومتابعة لاحقة كفؤتين.

أيضا، تم توسيع الحوافز الاستثمارية بحيث لم تعد الحوافز فقط للمشاريع الجديدة بل أصبحت تشمل التوسعات وإعادة الاستثمار مما يشجع الاستثمار القائم وليس فقط الاستثمار الجديد. وهي خطوة عقلانية ومرحب بها.

وتماشيا مع رؤية التحديث فإن الإصلاحات تدعم أيضا الاستثمارات المستدامة وعملية خلق الوظائف من خلال ربط الحوافز بالتشغيل والاستدامة، وتحسين جودة الخدمات الحكومية من خلال رقمنة الإجراءات ورفع كفاءة المؤسسات.

ماذا فعلت تركيا أخيراً (2025–2026)؟ قدمت تركيا حوافز مالية ضخمة بالفعل، وهي حوافز تستطيعها تركيا ذات الاقتصاد الذي يقارب حجمه 1.6 مليار دولار، أي حوالي 27 ضعف حجم الاقتصاد الأردني، كما تبلغ نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الإجمالي حوالي 25% – 35% وهي نسبة منخفضة جدا إذا قورنت بالنسبة في الأردن (118%).

فلقد أعلنت تركيا خلال الأيام الأخيرة حزمة استثمارية قوية جداً (أبريل 2026)، منها تخفيض ضريبة الشركات بشكل كبير لتصبح 9% بدلا من 25% للمصدرين الصناعيين و14% لبقية المصدرين. كما قدمت إعفاءات ضريبية واسعة، منها إعفاء كامل أو شبه كامل على تجارة الترانزيت، والأرباح الخارجية، وإعفاء ضريبي 20 سنة للأجانب الأفراد غير المقيمين سابقاً، و0% ضريبة على الدخل الخارجي لمدة 20 سنة، وهو إجراء شديد الجاذبية لرؤوس الأموال. وقدمت حوافز مالية مباشرة (إعفاء جمركي وضريبي، دعم التأمينات الاجتماعية، دعم الفوائد، تخصيص الأراضي)، وأوجدت برنامج دعم للاستثمار التكنولوجي بقيمة 30 مليار دولار. وإجرائيا اعتمدت نظام "الشباك الواحد" ليتم في منصة واحدة من خلاله تأسيس الشركات، ومنح التصاريح، ودفع الضرائب، ومنح الإقامة.

الأردن وتركيا لا يتنافسان بنفس الأداة لجذب الاستثمارات. من الواضح أن الأردن يعتمد نموذج "تحسين البيئة" (خفض تكلفة المعاملات، تحسين الثقة المؤسسية ) الذي سيكون تأثيره على الأمد المتوسط الأجل، غير أنه مناسب لاقتصاد الأردن (صغير، محدود الموارد، ويعتمد على الأمن والاستقرار). أما النموذج التركي، فيمكن تسميته بنموذج "تحفيز الربحية" (يخفض الضرائب بشكل كبير، يزيد العائد على الاستثمار مباشرة) سيكون تأثيره على الأمد القصير إلى المتوسط. وهو مناسب لاقتصاد صناعي كبير يعتمد على التصدير.

تمثل الإصلاحات الأردنية الأخيرة تحولاً مؤسسياً نحو تبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال، بينما تعتمد تركيا على حوافز ضريبية ومالية واسعة النطاق لزيادة جاذبية الاستثمار بسرعة. وعلى الرغم من أن النهج التركي قد يكون أكثر تأثيراً على تدفقات الاستثمار قصيرة الأجل، فإن النهج الأردني قد يكون أكثر استدامة على المدى الطويل إذا ترافق مع حوافز مالية موجهة