+
أأ
-

القس سامر عازر يكتب :- عيد العمال ونهضة الوطن

{title}
بلكي الإخباري

لم يُخلق الإنسان ليعيشَ فراغًا، ولا ليجنيَ من حيث لم يتعب، أو يلبسَ من حيث لم يغزل. فمنذ فجر الخليقة، أقام الله الإنسان ليكون أمينًا على هذا الكون، يصونه ويرعاه، ويتدبّر شؤونه بحكمة ومسؤولية. فالإنسان مدعوّ ليكون بنّاءً لا هدّامًا، ومُعطيًا لا مستغلًا، لأن وجوده في هذا العالم ليس صدفة، بل رسالة اؤتمن عليها.

إن العمل ليس مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل هو في جوهره دعوة إلهية (رسالة) يحقق الإنسان من خلالها ذاته ويستجيب لمشيئة الله في حياته. فكل إنسان مدعو أن يكتشف مكانه ودوره، وأن يقدّم من خلال عمله خيرًا للآخرين، فيتحول العمل من واجب ثقيل إلى رسالة حب وعطاء. ومن هذا المنطلق، فإن العمل هو أيضًا اشتراك حيّ في عمل الله الخالق، إذ يواصل الإنسان، بجهده وإبداعه، مسيرة البناء التي بدأها الله منذ الخليقة، فينظّم، ويزرع، ويُنتج، ويُبدع، ويُضفي على العالم مزيدًا من الجمال والنظام.

فما قيمة الحياة إن خلت من عملٍ جاد نُسهم من خلاله في خدمة الآخرين، ونشارك في بناء مجتمعنا وتطوره؟ إن العمل، في هذا الإطار، ليس فقط تحقيقًا للذات، بل هو تحقيقٌ لقصد الله فينا، إذ نصبح شركاء في الخير العام، وخدّامًا للحياة. وبعض أشكال العمل تتطلب تضحيات جسيمة، بل قد تصل إلى حد المخاطرة بالنفس في سبيل إنقاذ الآخرين وإسعادهم، وهنا يبلغ العمل ذروته كعطاءٍ وبذلٍ يشبه في معناه أسمى القيم الإنسانية. 

جاء في الكتاب المقدّس «أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلَا يَأْكُلْ أَيْضًا» (٢تس ١٠:٣) وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن جهد الإنسان وتعبه هما الطريق الطبيعي والمستقيم لكسب العيش الكريم. فلا ينبغي للإنسان أن يتكئ على غيره، بل أن يعتمد على سعيه وعرق جبينه. وليس أطيب من لقمةٍ نغمسها بتعبنا، ولا أهنأ من رزقٍ يأتي نتيجة جهدٍ صادق.

وما أجمل أن تكون لقمة عيشنا ثمرة اجتهادنا، فهي تحمل في طياتها سعادة داخلية ورضًا عميقًا. فلقمة الحلال هي بركة في الحياة، أما المال الحرام فلا يدوم ولا يجلب الخير، بل يثقل القلب ويُفقد الحياة معناها. وهنا تبرز كلمات جبران خليل جبران التي تختصر معنى العمل بأسمى صوره حين قال:

“العمل هو الحبّ المرئي.”

وفي عيد العُمال، نقف بكل تقدير أمام كل عاملٍ شريف، يسعى بإخلاص لتحقيق دعوته وخدمة مجتمعه. نحيّي كل يدٍ تعمل، وكل قلبٍ يخلص في عمله، وكل إنسانٍ يجعل من مهنته رسالة عطاء. 

وتحية إجلال خاصة لعمّال الوطن الذين يقدمون خدمات أساسية، ويسهمون في الحفاظ على نظافة الوطن وجماله، فهم جنودٌ صامتون في مسيرة البناء، وشركاء حقيقيون في نهضة الوطن.

إن أدوارنا في العمل والخدمة تتكامل، ولا غنى لأحد عن الآخر. ومن حق كل عامل أن ينال حياة كريمة، وأن تتوفر له الظروف التي تمكّنه من تحقيق طموحاته وأحلامه. فكرامة الإنسان من كرامة عمله، وعدالة المجتمع تُقاس بمدى إنصافه لعمّاله، لأن العمل ليس فقط عطاء فرديًا، بل مسؤولية جماعية تحفظ كرامة الإنسان وتصون إنسانيته.

ختامًا، لا ينهض وطنٌ بلا عملٍ مخلص، ولا تُبنى أمةٌ دون سواعد أبنائها. فالعمل الذي يتسم بالأمانة، ويحترم شرف المهنة وأخلاقياتها، هو حجر الأساس في عملية البناء والتنمية. وما من أمةٍ تقدّمت إلا وآمنت بقيمة العمل، لا كضرورة اقتصادية فحسب، بل كدعوة مقدسة واشتراك في عمل الله الخالق.

وكما قال المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال: “فلنبنِ هذا الوطن ونخدم هذه الأمة.” فالعمل الصادق والأمين فِعل عبادة لأنه الترجمة العملية لما نؤمن به.