+
أأ
-

غسان الشواهين يكتب :- الاستقلال الأردني: وثيقة المجد وعقيدة السيادة

{title}
بلكي الإخباري

*

في عيد استقلال موطني تعانق الهامات كواكب السماء، وتتوشح الرؤوس بتاج العز والفخار

 لا ينحني إلا لله، ولا ينكسر إلا على صدر الشهادة. الوطن ليس خارطةً على ورق، بل نبضٌ في الصدور، وبيعةٌ محفورةٌ في النخاع، ودمٌ إذا صاح المنادي "حيَّ على الأردن" سال كالسيل لا يلوي على شيء. *أَعْظِمْ بِيَوْمٍ يُزَيِّنُ المَجْدُ مَفْرِقَهْ... آسَادُهُ سَطَّرُوا التَّارِيخَ أَحْرَارَا، يَوْمُ العُلَى عِيدُ الاسْتِقْلالِ تَنْفَحُهُ... عَرَائِسُ الخُلْدِ أَزْهَاراً ونُوَّارَا*. فما الاستقلال إلا صرخة هاشمية شقت عباءة الانتداب، وسيفٌ عربي سُلَّ من غمده في قصر رغدان صبيحة الخامس والعشرين من أيار عام 1946، فتمزق ليل التبعية وانبلج فجر المملكة الأردنية الهاشمية، ونودي بعبد الله الأول ملكاً دستورياً ببيعةٍ ضمختها أكف النشامى، فالتحم العرش بالشعب التحام السيف بالكف، والروح بالجسد. لم يكن الاستقلال منحةً تُهدى، بل حقٌ يُنتزع بالدم والعزم، ليكون كما أكد جلالة الملك عبدالله الثاني مسيرةً لا تعرف التوقف، تُرسخ السيادة الكاملة وحرية الإرادة، فالقرار الذي يُطبخ في مطابخ الغير لا يشبع كرامة، ولا استقلال حقيقياً دون استقلالٍ اقتصادي يصنع الخبز من قمحنا، والدواء في مصانعنا، والقرار من إرادتنا. من رحم ذلك اليوم وُلد الجيش العربي، سليل الثورة، فكان أول مواليد السيادة، ثم جاء تعريب قيادته عام 1956 بقرار الحسين فانتُزعت قيادة السيف من يد الغريب، وارتفعت راية الأردن خالصةً لا يشاركها فيها علم. وفي عهد طلال وُلد الدستور عام 1952، فصار الحكم للناس لا على الناس، وصارت الكرامة مادةً في كتاب الدولة لا شعاراً على الجدران. *يا أيها الملك الذي ملك القلوب... وأقام للعلياء صرحاً لا يزول، رفعت للأردن بيرق عزةٍ... تختال فيه على المدى وتطول*. شرعيتنا هاشمية: جذورها في بطحاء مكة، وأغصانها في ثورة العرب الكبرى، وثمارها مدارس تضج بالعلم، ومصانع تصهل بالإنتاج، ومستشفيات تنبض بالحياة. ومنها الوصاية الهاشمية على مهد المسيح ومسرى النبي منذ عام 1922، أمانةٌ نحملها على رموش العيون، نحرسها بالدم والقرار والدبلوماسية إلى أن يرث الله الأرض. مضى الحسين الباني ينحت من الصخر دولة، فكان الإنسان مشروعه الأول، ثم جاء الملك المعزز عبدالله الثاني يحمل المشعل إلى القرن الجديد، فأطلق رسالة عمان عام 2004 لتقول للعالم: هذا هو الإسلام، لا سكين فيه ولا حزام ناسف، بل عقلٌ يضيء وقلبٌ يتسع. وجلالته يعبر البلاد من الشوبك إلى المفرق، ومن المريغة إلى الأزرق، ومن مخيم حطين إلى القويرة وجرش، يقرأ الوجوه كما تُقرأ الكتب، ويعرف أن في العيون عتباً وفي القلوب أملاً، فيؤكد أن المسيرة ماضيةٌ بثقة، وأن الأردني إذا عزم ألان الحديد، فالنمو يصعد، والمصانع تفتح أبوابها، والشاب الأردني يغزو الفضاء الرقمي بلا جواز سفر، وهذه حقائق لا يمحوها صراخ المشككين. لذلك يستمد جلالته التفاؤل من بريق العزيمة في عيون الشباب، فوجه الحكومة أن تزيح عن كاهل الوطن عبء المديونية، وأن تبني "سكن كريم لعيش كريم" فلا ينام أردني تحت سقفٍ مهترئ، وأن تجعل التعليم منارةً منتجةً لا شهادةً معلقة، وأن تمد مظلة التأمين الصحي حتى تظلل كل بيت، فالأردن اليوم يسبق كثيراً من حوله بالعلم والكفاءة، ولولا جيشنا العربي وأجهزتنا الساهرة لما نمنا على وسادة الأمن. والحرية عندنا ليست منحة، بل حقٌ دستوري يُصان بالتعددية وسيادة القانون وتكافؤ الفرص، فلا يُقصى رأيٌ ولا يُكمم فمٌ ما دام تحت سقف الوطن. فيا أبناء الأردن، الاستقلال ليس حفلاً نضيء فيه الشموع ثم نطفئها، بل قنديلٌ في صدر كل واحدٍ منكم، إن خبا فيكم خبا في الوطن، فكونوا حُراس المعنى بالعرق لا بالحنجرة، لا تبيعوا الراية في سوق الواسطة، ولا تمزقوها بسكين الفرقة، فكل معولٍ يضرب الأرض هنا يبني في سور المجد لبنه

 على الحدود، وللمعلم في الصف، وللطبيب في الطوارئ، وللفلاح في الحقل، وللأم التي تربي جيل الاستقلال القادم. عهدنا أن تبقى راية رغدان خفاقةً لا تنكسها ريح، وأن تبقى البيعة في أعناقنا ديناً لا يُقضى إلا بالموت، وأن يبقى الاستقلال عقيدةً تسكننا لا تسكن الكتب. *هذي بلادك يا ابن هاشم حرةٌ... عصماء ما خضعت ليومٍ غاصبِ، فاحمل لواءك للمعالي إننا... جندٌ وراءك باللواء الضاربِ*. كل عامٍ والوطن بألف خير، والقلوب بالولاء عامرة، والعيون إلى المجد شاخصة. عاش الأردن حراً عربياً هاشمياً، وعاش الاستقلال سيفاً في يدنا .

بقلم غسان محمد الشواهين