الحل في الباص العريض

نضال المجالي
الفكرة سمعتها من سياسي أردني حزبي محنّك، قالها في إجابة سؤال لدولة الرئيس: كيف نجد حلا في مواجهة ازدحام المطالبات بالمحاصصة والحقوق المدعاة وخصوصا قبل أي تعديل وزاري؟ ليكون جوابه عاجلا ليعلن اكتشافا سيغيّر شكل العالم: «بدنا باص عريض». لم يرفع صوته، ولم يحتج إلى شرح طويل، فالتقطت الفكرة بابتسامة سياسية بعد نظرة عبقرية من كلامه لدرجة أنها لا تحتاج تفسيرا. باص عريض… يعني ببساطة، حل كل مشاكلنا ومشكلة الرئيس المزمنة دفعة واحدة.
الفكرة واضحة: بدل ما نختلف مين يقعد قدّام ومين يتأخر، نعمل باص كلّه قدّام. لا صفوف خلفية، لا إحراج، لا تمييز. الجميع في الكرسي الأمامي، الجميع مهم، والجميع راض. وهكذا، نكون قد ألغينا المنافسة بطريقة حضارية جدا… ألغيناها تماما.
جلست أفكر بالأمر، وبدأت أقتنع أن المحنك السياسي لم يكن يمزح. بالعكس، يبدو أنه اختصر علينا وعلى دولته سنوات من الصداع والزعل غير المبرر. لماذا نضع معايير ونفاضل ونزعل الناس؟ وسّع الباص وانتهت القصة. كل من يريد مكانة، نعطيه مساحة. كل من يبحث عن فرصة، نفتح له بابا… أو بالأحرى، نضيف له بابا جديدا على الباص.
لكن الباص العريض لا يأتي وحده. لا يمكن أن نضعه على طرق ضيقة صُممت لأفكار قديمة مثل الحدود والقدرة الاستيعابية والكفاءة النوعية. لا، نحن بحاجة إلى طرق يليق بحجم الطموح. مسارات خاصة، عريضة، وربما تحتاج إلى إزالة بعض العوائق الصغيرة مثل المنطق والتخطيط.
وهنا يظهر السؤال الذي يطرحه دائما أصحاب النوايا الحسنة: الكلفة؟ طبعا الكلفة. وكأننا لم نعتد على هذا السؤال. الجواب جاهز وبسيط: نزيد الاقتراض. ما المشكلة؟ الدين موجود أصلا، فلنمنحه بعض الرفقة. ثم لدينا صندوق استثمار أموال الضمان، وهذا كنز وطني لا يجوز أن يبقى ساكنا. نستثمره في الباص وطرقه، ونضمن أن الجميع يشارك… حتى من لا يركب الباص أصلا.
الأجمل في الموضوع أن المشروع مربح في الخيال. نعم، مربح جدا، وربما أكثر من الجسور المعلقة والطرق المدفوعة واتفاقيات سكك الحديد بعائد 7 % البنوك فيها أكثر ثقة وتمنحك أعلى منه! لأننا هنا لا نبيع مرورا، بل نبيع شعورا. شعور أنك في المقدمة دائما، حتى لو كان الجميع بجانبك يعتقد الشيء نفسه. وهذا بحد ذاته إنجاز اقتصادي ونفسي لا يُستهان به.
ومع مرور الوقت، يبدأ الباص يكبر أكثر. كلما ظهر شخص جديد يريد الجلوس في المقدمة، نوسّع أكثر. كلما ارتفعت الأصوات، نضيف صفا أماميا جديدا. حتى نصل إلى مرحلة يصبح فيها الباص أعرض من المدينة نفسها، وربما يحتاج إلى قمر صناعي لمتابعة أطرافه.
ورغم كل هذا الجمال، هناك تفصيل صغير يزعجني. إذا كان الجميع في الكرسي الأمامي… فمن يقود؟ هل نحتاج سائقا أصلا؟ أم أن القيادة أصبحت فكرة قديمة مثل المقاعد الخلفية؟ لأن المشكلة حتى إن كل من أتيحت له فرصة أن يجلس في المقعد الأمامي يرى نفسه أولى من الرئيس في القيادة.
السياسي لم يدخل في هذه التفاصيل. بالنسبة له، المهم حسب ما يراه من ازدحام على طاولة الرئيس للركوب أن الباص ممتلئ بالرضا، لا بالركاب. أما الاتجاه… فهذه رفاهية يمكن تأجيلها. المهم أن الرحلة مستمرة، حتى لو كنا ندور في نفس المكان، بباص عريض جدا، ومكلف جدا، والجميع فيه سعيد… أو على الأقل، لا أحد يعترف أنه تائه. وبغير ذلك سيبقى الصداع الذي أوجدته حاشية إدارة الاختيار الخاطئ مستمرة.


















