الفرجات يدعو لخطاب ملكي يعيد توازن الأمور...

صرح البروفيسور محمد الفرجات الأستاذ في جامعة الحسين بن طلال، وعضو اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، بأن
الأردن بحاجة إلى خطاب ملكي سامٍ يعيد التوازن الوطني ويمنح الناس بوصلة المرحلة.
وبين الفرجات بأن الخمس سنوات الثقيلة التي مرّت على الأردنيين منذ عام 2020، لم تكن سنوات اعتيادية في تاريخ الدولة ولا في حياة الشعوب. فمن جائحة كورونا التي هزّت الاقتصادات وأربكت المجتمعات، إلى تداعيات الربيع العربي المستمرة، ثم حرب غزة وما تبعها من توترات إقليمية، وصولاً إلى التصعيد المرتبط بإيران ومضيق هرمز وما يحمله من تهديدات للطاقة والتجارة والاستقرار العالمي، وجد الأردن نفسه في قلب عواصف متلاحقة تتجاوز قدرات الدول الصغيرة والمتوسطة إن لم تتعامل مع المرحلة بحكمة وذكاء.
وفي خضم هذا المشهد المرهق، ما تزال الدولة الأردنية تحاول بثبات أن تتحرك إلى الأمام؛ سياسيًا عبر مشروع التحديث السياسي، واقتصاديًا عبر إعادة بناء بيئة الاستثمار وتحفيز النمو، وإداريًا عبر مسارات التحديث المؤسسي وتحسين كفاءة القطاع العام.
كما أن الحكومة الحالية تحمل على عاتقها ملفات استراتيجية ومصيرية غير مسبوقة، من مشاريع الناقل الوطني وتحلية المياه، إلى السكك الحديدية، والطاقة، وربط الأردن بمشاريع اقتصادية إقليمية قد تعيد رسم موقعه الجيوسياسي والتنموي لعقود قادمة.
لكن، وفي المقابل، فإن المشهد الداخلي بدأ يعيش حالة من التشويش والإنهاك النفسي والإعلامي غير المسبوق.
فخلال فترة قصيرة، انفجرت أمام الرأي العام قضايا متعددة تتعلق بفضائح، وإشاعات، وملفات فساد واختلاسات، بعضها حقيقي ويجب التعامل معه بحزم وسيادة قانون، وبعضها الآخر يتم تضخيمه أو توظيفه أو اجتزاؤه بطريقة تهدد الثقة العامة وتدفع المجتمع نحو الإحباط الجماعي وفقدان البوصلة.
الأخطر من ذلك، أن هناك من يحاول احتكار تشكيل الرأي العام عبر منصات الفوضى الرقمية، وتحويل كل قضية إلى حالة غضب شاملة، وكأن الدولة بأكملها تنهار، دون التفريق بين محاسبة الفاسد — وهو واجب — وبين هدم الثقة الوطنية — وهو خطر استراتيجي.
إن استمرار الأمور على نفس الوتيرة، دون تدخل وطني جامع يعيد ترتيب الأولويات ويمنح الناس رؤية متوازنة، قد يقود إلى اهتزازات سياسية خطيرة، وربما إلى إسقاط الثقة بمجلس النواب والحكومة معًا، والدخول مجددًا في دوامة إعادة إنتاج المشهد من الصفر، في وقت لا يملك فيه الأردن ترف إضاعة السنوات أو تعطيل المشاريع المصيرية.
فالمنطقة من حولنا ليست مستقرة، والاقتصاد العالمي مرتبك، والديون تضغط، والفقر والبطالة يرهقان المجتمع، والعطش يقترب، والتغير المناخي يفرض وقائع جديدة على الأمن الغذائي والمائي والطاقة.
وكل ذلك يتطلب استقرارًا سياسيًا ومجتمعيًا، لا حالة استنزاف يومي للثقة الوطنية.
ومن المهم كذلك، في هذه المرحلة المفصلية، تعزيز الحياة الحزبية الأردنية بوصفها أحد أعمدة مشروع التحديث السياسي.
فالأحزاب ما تزال بحاجة إلى مزيد من النضج المؤسسي والاشتباك الإيجابي مع قضايا المجتمع والدولة، بعيدًا عن الخطابات الموسمية أو الانشغال بالصراعات الجانبية.
ومن هنا تبرز أهمية عقد لقاء ملكي مع أمناء عامي الأحزاب السياسية، يشكل رسالة دعم واضحة لمسار العمل الحزبي الوطني، ويدفع نحو بناء برامج حزبية واقعية وفاعلة تتعامل مع تحديات الاقتصاد والمياه والطاقة والتعليم والبطالة، لا أن تبقى حبيسة الشعارات العامة.
كما أن مثل هذا اللقاء يمكن أن يعزز مفاهيم الحاكمية الرشيدة داخل الأحزاب نفسها، ويرسخ ثقافة العمل المؤسسي والتنافس البرامجي المسؤول، بما يرفع ثقة الشارع بالحياة السياسية ويمنح مشروع التحديث السياسي زخماً حقيقياً ومستداماً.
من هنا، تبدو الحاجة اليوم ملحّة إلى خطاب ملكي سامٍ شامل، يعيد التوازن للأمور، ويضع الجميع أمام حقيقة المرحلة وتعقيداتها، ويشرح للناس أين نحن، وما الذي تحقق، وما الذي يجب إصلاحه، وما هي الأولويات الوطنية الكبرى التي لا يجوز أن تضيع وسط ضجيج الشائعات والمناكفات.
خطاب يبعث برسائل واضحة بأن مكافحة الفساد مستمرة ولا أحد فوق القانون، لكن دون السماح بتحويل الإحباط إلى مشروع هدم للدولة أو قتل للأمل.
خطاب يعيد تعريف العلاقة بين النقد الوطني المسؤول وبين جلد الذات الجماعي الذي يفتح الأبواب أمام الفوضى وفقدان الثقة.
كما أن المرحلة تحتاج إلى إعادة تعبئة وطنية نفسية ومعنوية، تُشعر الأردنيين بأن تضحياتهم خلال السنوات الماضية لم تذهب هباءً، وأن هناك أفقًا قادمًا،
وأن المشاريع الكبرى التي يجري العمل عليها ليست ترفًا، بل معارك بقاء تتعلق بالمياه والطاقة والاقتصاد وفرص الأجيال القادمة.
لقد أثبت الأردن تاريخيًا أن قوته الحقيقية لم تكن يومًا في وفرة الموارد، بل في تماسك الدولة وثقة الناس بقيادتهم وقدرة المؤسسة الوطنية على عبور الأزمات.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من الضغوط المتراكمة، فإن الناس بحاجة إلى كلمة جامعة تعيد الطمأنينة، وتمنحهم وضوح الاتجاه، وتؤكد أن الدولة ما تزال تمسك بزمام المبادرة، وأن المستقبل — رغم صعوبته — ما يزال ممكنًا.
وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، يبقى الخطاب الملكي السامي أداة توازن وطنية كبرى، قادرة على إعادة ضبط الإيقاع، وتهدئة القلق، وحشد الإرادة الوطنية حول مشروع الدولة الأردنية الحديثة، قبل أن تستهلكنا الفوضى والانقسام والتشكيك المتبادل.















