+
أأ
-

شيرين قسوس تكتب :- حينما يرتدي الفسادُ ربطةَ عنقٍ، تُغتالُ السيادةُ بالتبعيةِ

{title}
بلكي الإخباري

 

 

السياسات الداخلية في الأردن لم تعد تُدار بعقلية بناء دولة قوية تعتمد على نفسها، بل بعقلية إدارة أزمات مؤقتة وترحيل المشاكل من حكومة إلى أخرى. المواطن يُطلب منه الصبر دائماً، بينما تُدار الثروة والفرص والقرارات بعقلية مغلقة لا ترى الناس إلا أرقاماً في تقارير الضرائب وفواتير الكهرباء وأسعار المحروقات. الطبقة الوسطى تتآكل عاماً بعد عام، والفقير يُدفع أكثر نحو الحافة، فيما يستمر المسؤولون في الحديث عن “الإنجازات” وكأن الناس لا ترى الواقع بعينها.

الفساد في الأردن لم يعد مجرد حالات فردية، بل أصبح شعوراً عاماً بأن النفوذ أقوى من القانون، وأن المناصب تُدار بالمحسوبيات أكثر مما تُدار بالكفاءة. المواطن يرى مشاريع بملايين، ووعوداً تتكرر، وخططاً اقتصادية تتغير أسماؤها لكن نتائجها واحدة: ديون أعلى، بطالة أكبر، وهجرة مستمرة للعقول والشباب. المسؤول الذي يفشل لا يُحاسب، بل ينتقل من موقع إلى آخر، وكأن الدولة أصبحت تدور داخل دائرة مغلقة من الأسماء نفسها والسياسات نفسها والنتائج نفسها.

أما نهج التبعية، فهو أحد أخطر ما أصاب القرار السياسي والاقتصادي. دولة بحجم الأردن تحتاج إلى استقلالية حقيقية في قرارها، لا أن تبقى رهينة المساعدات الخارجية والاشتراطات الدولية. الاعتماد المستمر على الخارج خلق حالة من الضعف المزمن، بحيث أصبح الاقتصاد هشاً أمام أي تغير سياسي أو مالي إقليمي. لا يمكن بناء وطن قوي بعقلية انتظار المنح والقروض، ولا يمكن الحديث عن سيادة كاملة بينما السياسات الاقتصادية تُصاغ لإرضاء المؤسسات الدولية أكثر مما تُصاغ لخدمة المواطن.

المشكلة ليست في قلة الموارد فقط، بل في غياب الإرادة السياسية الجادة لتغيير النهج بالكامل. الأردن يملك طاقات بشرية هائلة، لكنه يخسر أبناءه لأنهم يشعرون أن المستقبل مغلق، وأن الاجتهاد وحده لا يكفي في منظومة تُكافئ العلاقات أكثر مما تُكافئ الكفاءة. الشباب لا يريد معجزات، بل يريد عدالة وفرصة وكرامة، لكن الواقع يقول إن الأولوية ما زالت لحماية الطبقة السياسية نفسها لا لإصلاح الدولة.

الخطاب الرسمي يتحدث عن التحديث والإصلاح، لكن الناس تقيس الأمور بحياتها اليومية: هل تحسن الدخل؟ هل انخفضت البطالة؟ هل أصبح القانون يطبق على الجميع؟ هل توقفت سياسة الجباية؟ وحين تكون الإجابة المتكررة هي “لا”، يصبح الغضب الشعبي أمراً طبيعياً. لا يمكن الاستمرار في مطالبة المواطن بالتضحية بينما لا يرى نموذجاً حقيقياً للمحاسبة أو التقشف داخل مؤسسات الدولة نفسها.

الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى قطيعة حقيقية مع عقلية التبعية والتجميل الإعلامي وإدارة الدولة بعقلية الخوف من التغيير. الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تصبح كرامة المواطن فوق مصالح المسؤول، وحين يصبح القرار الوطني مستقلاً، وحين تُفتح أبواب الدولة للكفاءة لا للولاءات، وعندها فقط يمكن الحديث عن وطن يشعر أبناؤه أنهم شركاء فيه لا مجرد متلقين للأعباء.