+
أأ
-

كل عام يتكرر الخطأ ذاته… فمن يصرّ على إبقاء الجامعات خارج منظومة التحديث السياسي ؟

{title}
بلكي الإخباري

د.فوزان العبادي

بعيداً عن البيانات التقليدية والتبريرات الجاهزة، فإن ما يحدث في انتخابات مجالس الطلبة داخل بعض الجامعات الأردنية لم يعد مجرد تجاوزات موسمية أو أحداث عابرة، بل أصبح انعكاساً واضحاً لفشل متكرر في إدارة ملف العمل السياسي والشبابي داخل الجامعات.

فكل عام نعود إلى المشهد ذاته: مشاجرات ،توترات، اصطفافات ضيقة، عناوين عشائرية ومناطقية، وقوائم تُعلن فوزها بأسماء العشائر لا بأسماء البرامج أو الأفكار أو المشاريع الطلابية. وهنا يجب أن نسأل بوضوح: ماذا نتوقع عندما تُفرّغ الجامعات من الحياة الحزبية الحقيقية؟ وماذا ننتظر عندما يُترك الشباب في فراغ سياسي وفكري وتنظيمي، ثم نطالبهم فجأة بممارسة ديمقراطية ناضجة مرة واحدة في السنة خلال الانتخابات؟ إن غياب الأحزاب عن الجامعات لم يخلق حالة حياد كما يعتقد البعض، بل فتح المجال أمام ترسيخ وتجذر مفاهيم المناطقية والعشائرية والفئوية، لأن أي فراغ لا بد أن يُملأ.

وعندما تغيب البرامج السياسية والفكرية المنظمة، تحضر الهويات الضيقة تلقائياً بوصفها البديل الأسهل والأسرع للتجييش والحشد.

المؤسف أن التجارب المتكررة لم تعلّم المسؤولين عن هذا الملف شيئاً. فبعد كل انتخابات تُكتب التقارير وتُطلق التصريحات ذاتها، ثم نعود في العام التالي إلى المشهد نفسه وكأن شيئاً لم يكن.

لا مراجعة حقيقية، ولا معالجة جذرية، ولا إرادة واضحة لبناء بيئة جامعية سياسية صحية ومنظمة.

إن الحديث عن مشروع التحديث السياسي وتمكين الشباب يفقد معناه عندما تبقى الجامعات، وهي الحاضنة الطبيعية للعمل العام، بعيدة عن الفعل الحزبي المنظم.

فالجامعة ليست مجرد قاعات تدريس، بل مساحة لتشكيل الوعي السياسي والاجتماعي وإعداد القيادات المستقبلية.

وإذا أردنا فعلاً إنتاج جيل يؤمن بالدولة المدنية والحياةالديمقراطية، فلا يمكن أن نستمر في التعامل مع الأحزاب داخل الجامعات وكأنها حالة طارئة أو عبء يجب عزله. المطلوب اليوم ليس السماح الشكلي للأحزاب خلال فترة الانتخابات فقط، بل إتاحة مساحة حقيقية ومستمرة للعمل الحزبي داخل الجامعات طوال العام، من خلال الندوات والأنشطة والحوارات والبرامج التدريبية والعمل الطلابي المنظم، حتى يُبنى جسر ثقة حقيقي بين الطلبة والأحزاب، وحتى يتعرف الشباب على العمل السياسي بوصفه عملاً وطنياً وبرامجياً لا صراع هويات ضيقة. أما أن نمنع الأحزاب عملياً من الحضور الطبيعي داخل الجامعات خلال العام بشكل غير مباشر ، ثم نتفاجأ بصعود الخطابات العشائرية والمناطقية فنحن نغذيها بهذه الحاله، هذه ليست أزمة طلبة فقط، بل أزمة إدارة كاملة لهذا الملف. ان أخطر ما في المشهد ليس المشاجرات بحد ذاتها، بل التحول التدريجي في وعي بعض الشباب من الانتماء للفكرة والبرنامج إلى الانتماء الضيق، ومن التنافس الديمقراطي إلى الاستقطاب الاجتماعي. وهذا مع الأسف يعيدنا خطوة إلى الخلف في مسيرة التحديث السياسي، وخاصة في الشق المرتبط بالشباب الذين يفترض أن يكونوا الوقود الحقيقي لهذا المشروع الوطني.الدولة التي تريد حياة حزبية قوية لا تبدأ من القوانين فقط، بل تبدأ من الجامعات. وأي تأخير في إعادة الاعتبار للعمل الحزبي المنظم داخل الجامعات سيعني ببساطة استمرار إنتاج المشهد ذاته عاماً بعد عام، مع مزيد من التراجع في الوعي السياسي ومزيد من الانغلاق الاجتماعي والفئوي.