قمة ترامب- شي.. إدارة الصعود الصيني أم استقرار إستراتيجي؟

د.منذر الحوارات
انعقدت القمة الأميركية الصينية في مرحلة انتقالية مضطربة؛ فروسيا غارقة في الحرب مع أوكرانيا وتُستنزف اقتصاديًا وعسكريًا دون أفق لحسم واضح، بينما تبدو أوروبا أكثر انقسامًا وأقل قدرة على إنتاج قيادة موحدة.
أما الشرق الأوسط، فيعيش على وقع المواجهة الأميركية الإيرانية التي حوّلت مضيق هرمز من ممر للطاقة إلى ساحة صراع مفتوح، وهو ما كشف عن هشاشة التجارة الدولية.
في هذا السياق، بدت قمة بكين محاولة لإدارة مرحلة دولية شديدة الحساسية، لا لتسوية الصراع، بل لمنعه من التحول إلى مواجهة تهدد النظام العالمي.
استُبقت القمة بلقاءات وتفاهمات في كوريا الجنوبية، في وقت كان فيه البلدان قد دخلا هدنة اقتصادية فرضتها المصالح المتبادلة أكثر مما فرضتها الثقة السياسية.
فالصين تحتاج السوق الأميركي واستقرار الطاقة والممرات البحرية لضمان نموذجها الاقتصادي القائم على التصدير، فيما تدرك واشنطن أن أي انفصال قسري عن الصين سيصيب الاقتصاد العالمي باضطراب خطير.
لذلك بدا الطرفان كأنهما يحاولان إدارة التنافس لا حسمه. دخل ترامب القمة متسلحًا بأوراق قوة متعددة، ومدركًا اعتماد الصين على استقرار التجارة العالمية وأمن الممرات وأسواق الطاقة.
لذلك لم يكن الضغط على إيران وأزمة هرمز بعيدين عن حسابات واشنطن تجاه بكين، لأن أي اضطراب طويل في الملاحة سيصيب الاقتصاد الصيني في عمقه.
كما حملت محاولات واشنطن لاستعادة نفوذها في مناطق كانت الصين تتقدم فيها، رسالة بأن واشنطن ما تزال قادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية. في المقابل، لم تدخل الصين القمة بعقلية الباحث عن تفاهمات تجارية فقط، بل بعقلية قوة ترى أن لحظتها التاريخية قد حانت.
فالصين لا تبدو، حتى الآن، معنية ببناء هيمنة عسكرية عالمية على النمط الأميركي، بل إلى ترسيخ نفوذها عبر الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والمعادن النادرة والنفوذ التجاري، باعتبار ذلك طريقًا أقل كلفة وأكثر استدامة من الهيمنة العسكرية المباشرة. ومن هذا المنطلق يمكن فهم حديث الرئيس شي عن «العصر الجديد»، وهو تعبير يحمل دلالات حضارية وإستراتيجية؛ فالصين لا ترى صعودها مجرد نجاح اقتصادي، بل عودة حضارة كبرى إلى موقعها الطبيعي.
لذلك، فإن مقارنته بين عمر الحضارة الصينية وعمر الولايات المتحدة لم تكن استعراضًا تاريخيًا، بل تأسيسًا لفكرة سياسية واضحة: «الصين لا ترى نفسها قوة صاعدة طارئة، بل حضارة كبرى تستعيد موقعها التاريخي في النظام الدولي». وفي هذا السياق جاء حديث الرئيس شي عن «فخ ثوسيديس»، أي أن خوف القوة المهيمنة من القوة الصاعدة قد يقود إلى الحرب، وكأنه يقول إن المشكلة ليست في صعود الصين، بل في طريقة تعامل الولايات المتحدة معه.
لأن أي محاولة لخنق بكين قد تدفع نحو المواجهة، ومع ذلك، لم يتحدث بلغة الحرب، بل ركز على «الاستقرار الإستراتيجي»، أي إدارة التنافس مع واشنطن دون انفجار شامل.
فالصين تحتاج إلى استقرار الاقتصاد والطاقة والممرات، لكنها ترفض تجميد طموحها أو القبول بالهيمنة الأميركية. والمثير للاهتمام أن ترامب لم يصطدم مباشرة بخطاب شي، بل بدا حذرًا في التعامل مع الملفات الحساسة، وعلى رأسها تايوان.
وقد أثار هذا الحذر مخاوف الحلفاء الآسيويين من أن يتحول أي تفاهم أميركي صيني إلى إعادة توزيع للنفوذ في آسيا، إلا أن الاتصالات الأميركية اللاحقة بددت جانبًا من هذه المخاوف وأكدت استمرار التزامات واشنطن تجاههم. كما فرض ملف المضائق وأمن الطاقة حضورًا لافتًا؛ فالحرب مع إيران، وإغلاق هرمز، وتهديد الملاحة في باب المندب، أثبتت أن أمن الخليج لم يعد شأنًا إقليميًا، بل جزءًا من الأمن الاقتصادي العالمي.
فهرمز وباب المندب وقناة السويس لم تعد مجرد طرق بحرية، بل شرايين حيوية للنظام الدولي، وربما أدركت واشنطن وبكين أن أمن هذه الممرات سيصبح جزءًا أساسيًا من أي ترتيبات دولية مقبلة. ومع ذلك، لم تُنهِ القمة الحرب التجارية بين البلدين، بل ربما جمّدتها مؤقتًا. فالخلافات الجوهرية ما تزال قائمة، من الرقائق والذكاء الاصطناعي إلى المعادن النادرة وتايوان والهيمنة التكنولوجية.
لذلك تبدو العلاقة الأميركية الصينية اليوم وكأنها انتقلت من «التصعيد المفتوح» إلى «إدارة التنافس»، لا إلى الشراكة. في النهاية، ربما لم تكن قمة بكين محاولة لإنهاء الصراع بين القوة القائمة والقوة الصاعدة، بقدر ما كانت محاولة لمنع تحوله إلى مواجهة مبكرة.
فالولايات المتحدة تدرك أنها لم تعد قادرة على الانفراد بقيادة العالم، بينما ترى الصين أن صعودها لم يعد قابلًا للتراجع. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي طرحته القمة لم يكن: هل ستتصالح واشنطن وبكين؟
بل: هل تستطيع الولايات المتحدة التعايش مع صعود الصين دون أن يتحول ذلك إلى صدام يعيد تشكيل النظام الدولي بالقوة؟


















