+
أأ
-

العراق بين النار والسيادة

{title}
بلكي الإخباري

 

معاذ الجهران

 

ليس أخطر على أي دولة من أن تتحول أرضها إلى ساحة صامتة لتصفية الحسابات، ولا أخطر على الإقليم من أن تظهر مؤشرات على وجود بنى عسكرية سرّية تعمل خارج منطق السيادة والشفافية. وإذا صحت التقارير التي تتحدث عن قاعدة إسرائيلية داخل العراق، فالمشهد لا يقتصر على خرق أمني، بل يفتح الباب أمام قراءة أوسع: هل نحن أمام منصة تشغيلية يمكن أن تُستخدم لتوسيع دائرة الصراع، أم أمام خطوة ضمن هندسة إقليمية أكبر هدفها إضعاف العراق وإبقاؤه داخل مربع الاستنزاف؟

من الناحية السياسية، فإن مجرد وجود مثل هذه القاعدة، إن ثبت، يعني أن العراق لم يعد يُنظر إليه فقط بوصفه دولة ذات سيادة، بل بوصفه مساحة جغرافية قابلة للتوظيف في الصراع المفتوح. وهذه هي الأخطر في كل الحكايات؛ لأن تحويل البلد إلى عمق عملياتي، أو إلى نقطة ارتكاز لمصالح خارجية، لا يضرب سيادته فقط، بل يضرب توازنه الداخلي، ويضعف قدرته على التحكم بمصيره، ويجعله رهينة لتوازنات لا يصنعها بنفسه.

ومن الناحية العسكرية، فإن القواعد السرّية في بيئة مشتعلة كهذه لا تُبنى عبثًا. فهي تمنح من يستخدمها قدرة أكبر على الحركة، والتموضع، وجمع المعلومات، وتقصير المسافة نحو الأهداف، وخلق عمق ميداني بعيد عن أعين الرصد التقليدي. وهنا يصبح السؤال مشروعًا وملحًا: هل كان الهدف محصورًا في دعم عمليات ضد طرف واحد، أم أن الموقع نفسه قابل للتوظيف لاحقًا في ضربات أوسع قد تطال دولًا عربية أخرى، بما يوسّع دائرة النار ويزيد من هشاشة الإقليم كله؟

إن أخطر ما في هذا السيناريو أنه لا يكتفي بتطويق العراق، بل يحاول جرّه إلى قلب المواجهة. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وثقله السياسي وحساسيته الأمنية، يمثل عقدة مركزية في أي صراع إقليمي. وإذا استُخدمت أرضه كمنصة، فإن ذلك يعني عمليًا استنزافه من الداخل، ودفعه إلى موقع الدولة المرهقة التي تُدار فوقها الأحداث أكثر مما تديرها هي. وهنا تكمن الفكرة التوسعية في بعدها الأوسع: ليس فقط تنفيذ عمليات، بل إعادة تشكيل ميزان القوة بحيث يبقى العراق ضعيفًا ومفتوحًا ومهددًا.

أما على المستوى الإقليمي، فإن استخدام أي قاعدة داخل العراق لضرب دول عربية أخرى، أو لتوفير غطاء لعمليات تتجاوز الحدود، سيعني انتقال الصراع من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة التوسيع. وهذه النقلة ليست تفصيلًا عسكريًا، بل خيار استراتيجي يهدف إلى إبقاء المنطقة كلها في حالة إنهاك دائم، بحيث تصبح كل دولة منشغلة بالدفاع عن نفسها بدل أن تملك قدرة حقيقية على بناء استقرارها أو ردع التهديدات الموجهة إليها.

ومن هنا، فإن القضية ليست في خبر عابر أو في تسريب إعلامي، بل في طبيعة المنطق الذي يحكم هذه التحركات إن صحت. منطق يقوم على استغلال الجغرافيا العربية، وتوظيف هشاشتها، وفتح جبهات غير معلنة، ثم ترك المنطقة كلها تدفع ثمن ذلك سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا. وهذا هو لبّ الخطر: أن يتحول العراق إلى مساحة اختبار، وأن تتحول أراضي العرب إلى أدوات في مشروع لا يعترف إلا بالضغط والتمدد والهيمنة.

إن السؤال اليوم ليس فقط: هل وُجدت قاعدة؟ بل: ما الذي يعنيه وجودها إذا كان الهدف أبعد من العراق نفسه؟ وما الذي يعنيه إذا كانت جزءًا من خطة أوسع لجرّ دول عربية إلى دائرة الاستهداف، وإبقاء المنطقة كلها تحت التهديد، وإضعاف العراق تحديدًا لأنه يقف في قلب الخريطة ويملك من الموقع ما يجعله مؤثرًا في كل معادلة إقليمية؟