إدارة الفائض الوظيفي... عندما تتحول الهيكلة من مشروع إصلاح إلى مصدر قلق

د. ثروت المعاقبة
إدارة الفائض الوظيفي إجراءات إصلاحية وليست مجرد إجراء إداري لإعادة وتوزيع الموارد البشرية في المؤسسة، بل هي قرار مهم يمس استقرار الموظف ومستقبله المهني، ويختبر مدى التزام المؤسسات بمبادئ العدالة والشفافية وسيادة القانون . وعندما تدار ملفات الفائض الوظيفي وفق معايير واضحة ومعلنة للجميع، تصبح أداة للإصلاح وتعزيز للكفاءة، أما إذا غابت المعايير والأسس، فإنها تتحول إلى مصدر للقلق وفقدان الثقة بإجراءات المؤسسة، وهنا تحديدا تثير تساؤلات مشروعة حول عدالة الإجراءات وغاياتها ومبرراتها وفقا للمعطيات الأولية.
لا أحد يعارض الإصلاح الإداري في أي مؤسسة، فلا يوجد موظف يقف في وجه التطوير إذا كان قائما على العدالة والكفاءة وسيادة القانون، فإعادة هيكلة الموظفين، وإعادة توزيعهم ، ومعالجة الاختلالات الوظيفية أمر مهم للغاية، فكلها أدوات إدارية مشروعة، بل وضرورية لأي مؤسسة، إذا استندت إلى معايير واضحة ومعلنة يمكن للجميع فهمها ومراجعتها فلا يجوز أن تطبق بلا إجراءات تصحيحية حقيقية.
ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات من وسائل للإصلاح إلى وسائل تثير التساؤلات، ويصبح الموظف في هذه اللحظة عاجزا عن معرفة الأسس التي بني عليها القرار الذي يمس مستقبله الوظيفي.
فالهيكلة ليست مجرد نقل أسماء الموظفين من كشف إلى آخر أو من مؤسسة إلى أخرى، بل هي عملية تمس حياة الموظف، واستقراره النفسي، وأسرته، ومستقبله المهني بشكل عام، وحقوقا اكتسبها عبر سنوات طويلة من الخدمة العامة. ولذلك فإن أي قرار يتعلق بالفائض الوظيفي يجب أن يكون محاطا بأعلى درجات الشفافية والنزاهه، لأن أثره لا ينتهي عند حدود المؤسسة، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله.
إن أخطر ما قد يواجه أي مشروع لإعادة الهيكلة هو غياب المعايير المعلنة التي هي أساس التطوير. فعندما لا يعرف الموظف لماذا اختير هو دون غيره، وما هي المؤشرات التي استند إليها القرار الذي تم استبعاده به، وكيف جرى تقييمه مقارنة بزملائه، فإن باب التساؤلات يفتح على مصراعيه، ويبدأ الحديث عن الانتقائية وعدم المساواة ومحاولة الاستبعاد، حتى لو كانت النية الإصلاحية موجودة.
ولهذا فإن الإدارة الحديثة والجادة بالتطوير لا تكتفي بإصدار القرار، بل تشرح أسبابه وتبين مبرراته، وتمكن المتأثرين به من الاطلاع على الأسس التي استند إليها وإمكانية مراجعتها. فالشفافية ضمانة أساسية لبناء الثقة بين المؤسسة وموظفيها.
ولا يقل أهمية عن ذلك حق الموظف في المراجعة والتظلم في حال وجود خلل شاب القرار، فكل قرار إداري قابل للمراجعة والإصلاح، لأن الإدارة ليست معصومة من الخطأ، والمراجعة ليست تعطيلا للإصلاح والنمو، بل وسيلة مهمه لتصويب المسار وتعزيز مشروعيته.
إن الدول التي نجحت في إصلاح قطاعها العام لم تجعل الهيكلة عنوانا للاستغناء وتسريح موظفيها، بل تجعله وسيلة للاستفادة المثلى من خبراتهم ومهاراتهم، وإعادة توزيع الكفاءات بشكل يضيف للمؤسسات، ويسد إحتياجاتها الحقيقية. فالاستثمار في الإنسان هو أساس الإصلاح والتطوير، لا التعامل معه بوصفه عبئا يجب التخلص منه دون مشروعية واضحة فلا يعرف الموظف ماذا فعل وتبدأ دائرة القلق بالنمو لأن الأمان الوظيفي أصبح مفقود.
ومن هنا، فإن أي عملية لإدارة الفائض الوظيفي ينبغي أن تستند إلى مبادئ ثابتة، في مقدمتها: العدالة، والمساواة، والشفافية، وإتاحة حق الاعتراض، وتسبيب القرارات فور صدورها وإمكانية مراجعتها من الجهات المختصة. فهذه المبادئ من صميم الإدارة الرشيدة وسيادة القانون.
كما أن نجاح الهيكلة لا يقاس بعدد الوظائف التي أُلغيت، ولا بعدد الموظفين الذين نقلوا، وإنما بمدى تحسن أداء المؤسسة بعد إجراء الإصلاح الشامل، فإذا بقيت المشكلات الإدارية كما هي، واستمرت مظاهر ضعف الإنتاجية، فإن الخلل لا يكون في الموظفين وحدهم، بل في آليات التخطيط والإدارة والتنفيذ جميعها.
إن الإصلاح يبدأ بتشخيص المشكلات بدقة، ووضع حلول موضوعية، بعيدا عن الانطباعات أو القرارات غير المبررة. فالمؤسسات تبنى على الثقة، والثقة لا تنمو إلا في بيئة يشعر فيها الجميع بتطبيق القانون دون انحياز، وأن القرارات تتخذ وفق معايير معلنة لا تتغير بتغير الأشخاص.
وفي الختام، فإن إعادة الهيكلة ستبقى أداة مهمة جدا لتطوير الإدارة العامة، لكنها لا تحقق أهدافها إلا إذا كانت قائمة على العدالة والشفافية والمساءلة واحترام الكرامة الوظيفية، فالإصلاح الذي يحفظ حقوق الموظفين ويعزز الثقة بالمؤسسات هو الإصلاح الذي يدوم طويلا، أما الإصلاح الذي تحيط به الضبابية ويثير الشعور بعدم الإنصاف، فإنه يفقد أهم عناصر نجاحه، مهما كانت أهدافه المعلنة.



















