اللواء الركن المتقاعد الدكتور عدنان العبادي يكتب : رفيق السلاح... عندما يصبح الوفاء جزءاً من العقيدة

لم تكن تغريدة جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية، في نعي الرائد المظلي المتقاعد سميح جنكات، مجرد رسالة عزاء أو موقف إنساني، بل جاءت وثيقة قيادية تختزل فلسفة القيادة الهاشمية في علاقتها بنشامى القوات المسلحة، وتجسد منظومة قيم راسخة قوامها الوفاء والإخلاص والعرفان لكل من حمل شرف الخدمة العسكرية وأسهم في بناء الوطن وصون مقدراته.
فالقول: "فقدنا رفيقاً عزيزاً في السلاح" لا يندرج ضمن مفردات الرثاء التقليدية، بل ينتمي إلى قاموس العسكرية الاحترافية، حيث تشكل رابطة رفيق السلاح أعلى درجات الثقة والانتماء والولاء، إنها رابطة تتجاوز الرتب والمناصب، لأنها وُلدت في ميادين التدريب، وترسخت في مواجهة المخاطر، لتصبح عنواناً لعلاقة لا يطويها الزمن ولا تنتهي بانتهاء الخدمة العسكرية.
ومن هنا، فإن استذكار جلالة الملك للرائد المظلي المتقاعد سميح جنكات يعكس نهجاً مؤسسياً ثابتاً، يؤمن بأن الرجال الذين صنعوا الإنجاز وأسهموا في إعداد الأجيال يظلون حاضرين في ذاكرة الوطن وقيادته، فالفقيد لم يكن مجرد ضابط مظلي، بل كان أحد بناة الكفاءة العسكرية، ومن المدربين الذين أسهموا في إعداد أجيال من المظليين، وكان له شرف تدريب جلالة الملك على القفز الحر بعد تخرجه من أكاديمية ساندهيرست عام 1983، وهي محطة تجسد عمق العلاقة التي تصنعها ميادين الجندية بين القائد ومعلميه.
وعلى المستوى المؤسسي، تحمل هذه الرسالة الملكية دلالة بالغة الأهمية؛ فالجيوش المحترفة لا تبنى بالسلاح وحده، بل بالإنسان القادر على استخدامه بكفاءة واقتدار، والمدرب العسكري هو الركيزة الأولى في تدريب الجيوش و بناء القوة القتالية، لأنه ينقل الخبرات،، ويغرس قيم الانضباط والشجاعة.
كما أن اختيار جلالة الملك لعبارات مثل "طيب السيرة، نبيل الخصال، مثالاً في المحبة والوفاء والصدق" يحمل دلالة عميقة على أن الأخلاق العسكرية ليست قيمة موازية للكفاءة، بل هي جزء أصيل منها. فالمؤسسة العسكرية الأردنية تؤمن بأن الاحتراف الحقيقي لا يكتمل إلا بالنزاهة والصدق والإخلاص، وهي القيم التي صنعت هوية الجيش العربي ورسخت مكانته إقليمياً ودولياً.
وتعزز هذه اللفتة الملكية كذلك أحدى أهم مرتكزات القوة المعنوية في القوات المسلحة، فسنوات العطاء والتضحية تبقى موضع تقدير القيادة مهما تعاقبت الأعوام، وهذه الثقافة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي ركيزة استراتيجية تسهم في تعزيز الانتماء، ورفع الروح المعنوية، وترسيخ الثقة بالمؤسسة العسكرية، وهي عناصر لا تقل أهمية عن الجاهزية القتالية في بناء الجيوش الحديثة.
أما في بعدها الوطني، فإن الرسالة تتجاوز حدود المؤسسة العسكرية لتؤكد أن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن الاستثمار الحقيقي يكمن في الكفاءات الوطنية التي تصنع الرجال، وتنقل الخبرات، وتحافظ على جاهزية القوات المسلحة واستمرارية عطائها.
لقد رحل الرائد المظلي المتقاعد سميح جنكات، لكن كلمات جلالة الملك حولت لحظة الوداع إلى درس خالد في القيادة والوفاء، ورسخت حقيقة أن القائد العظيم لم ولن ينسى رفاق السلاح، وأن الوفاء لمن خدموا الوطن بإخلاص ليس مجرد خلق نبيل، بل عقيدة قيادة، وأحد أهم أسرار تماسك القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، وبقائها مدرسة في الانتماء والاحتراف والوفاء.



















