انهيار في الضفة الغربية

ماهر أبو طير
تواجه الضفة الغربية وضعا مأساويا غير مسبوق، على صعيد الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والكلف الأمنية، بما يشير إلى مرحلة خطيرة ستراها كل المنطقة.
%
بين يدي هنا تقرير الحالة الإنسانية الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، أي الضفة الغربية، والتقرير صدر قبل أسابيع ومر على العالم العربي بكل هدوء، لأن أحدا لا يقرأ، والذي يقرأ لا يهتم، والذي يهتم عاجز وضعيف، وهو يتحدث عن الفترة منذ بداية العام الجاري وحتى الثاني عشر من حزيران الماضي.
يتناول التقرير عدة محاور، فيشير مثلا إلى شبه انهيار للخدمات الصحية، ويشير إلى نفاد أكثر من ثلث الأدوية الأساسية من المخزون في الضفة الغربية، شاملا 180 دواءً من أصل 520 دواءً مدرجا على قائمة الأدوية الأساسية و50 دواءً من أصل 97 دواءً مخصصاً لعلاج السرطان، وتأجيل ما يزيد على 11,000 عملية جراحية منذ مطلع سنة 2026، ويستعرض التقرير تفاصيل دقيقة حول غياب الأدوية المرتبطة بغسل الكلى، وغير ذلك من أدوية.
يذهب التقرير بعد ذلك للحديث عن عمليات قتل يومية في الضفة الغربية، وهي عمليات أعلن رقمها التقرير حتى ساعة إصداره الشهر الماضي، إلا أن الرقم ارتفع بطبيعة الحال هذه الأيام، ويتطرق التقرير إلى اعتداءات المستوطنين وقتل الأطفال، وتجريف الأراضي الزراعية، وقطع شجر الزيتون، وتخريب المزارع والمزروعات بشكل متواصل، وما يتعلق بأزمة المياه والسطو عليها، وندرة المياه، ومشاكل متعددة في هذا المجال.
ثم يتناول التقرير عمليات هدم المباني المتواصلة، حيث هدمت السلطات الإسرائيلية 21 مبنى من المباني التي يمتلكها الفلسطينيون، بما فيها ثمانية منازل و13 منشأة يستخدمها أصحابها في تأمين سبل عيشهم، ومنشآت المياه والصرف الصحي وغيرها من المنشآت، بحجة افتقارها إلى رخص البناء التي تصدرها السلطات الإسرائيلية ويكاد يكون حصول الفلسطينيين عليها ضربا من المستحيل. وفي الإجمال، هُدم 20 مبنى في المنطقة (ج) ومبنى واحد في القدس الشرقية، مما أدى إلى تهجير ست أسر تضم 26 فرداً، من بينهم ثمانية أطفال، وقد هُجر 26 شخصاً في المنطقة (ج) وثلاثة في القدس الشرقية.
هذه مجرد عناوين لوضع قائم يزداد صعوبة، ولا ننسى هنا، بعيدا عن التقرير، التجفيف الاقتصادي، وخنق أهل الضفة الغربية، ومنعهم من العمل، حتى برزت ظاهرة بيع السيارات والشقق والأرض بين الفلسطينيين من أجل دفع أقساط قروض المصارف، بعد أن تم إغراق أهل الضفة بالقروض بعد تأسيس السلطة العتيدة، ومن أجل دفع رسوم تعليم الأبناء في الجامعات، في ظل غلاء فاحش لا يحتمله أهل الضفة ولا يقدرون عليه.
كما نشير هنا إلى الكارثة الأكبر المقبلة على الطريق، المتعلقة برفض البنوك الإسرائيلية استقبال فائض الشيكل من المصارف الفلسطينية، مما أدى إلى تكدس مليارات الشواكل في خزائنها بالضفة الغربية وتهديد قدرتها على مواصلة تقديم الخدمات المصرفية للتعامل مع هذا الفائض، مما اضطر سلطة النقد الفلسطينية في بعض الأحيان لتقييد قبول إيداعات الشيكل النقدية لتجنب تجاوز القدرة الاستيعابية للخزائن، وهذا يعني فعليا أن كل الأموال في المصارف سوف تتحول إلى مجرد ورق وأرقام بلا قيمة، وعلى الفلسطينيين البحث عن عملات بديلة من أجل معاملاتهم التجارية، بما يجعلهم يخسرون فعليا مدخراتهم وأموالهم.
ما تعيشه الضفة الغربية مأساة تنخر عظامها، وستؤدي إلى سقوط كل مشروع سلطة أوسلو التي تواجه أصلا أزمة الرواتب غير المدفوعة، بما يعني أن عملية إنهاء الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية تجري يوميا، لدفع الفلسطينيين في الضفة الغربية نهاية المطاف للهجرة بحثا عن حياة، في ظل هذا التعذيب المتواصل الذي لا يحتمله بشر.
الضفة الغربية ملف سوف ينفجر قريبا، وسوف يفتح الأفق نحو كل الاحتمالات، خصوصا مع عمليات السطو على كل الأراضي، وحشر الفلسطينيين في مساحات صغيرة جدا بلا دواء أو غذاء أو مستقبل، تحت وطأة النار الإسرائيلية تمهيدا لمرحلة مقبلة عما قريب


















