النائب السابق جميل العشوش يكتب :- توفيق كريشان.. قامة وطنية في سيرة البناء والولاء

في تاريخ الأوطان رجالٌ لا يمرون عبر بوابات المسؤولية مروراً عابراً، بل يحفرون أسماءهم في وجدان الأرض ومؤسسات الدولة بأحرف من نور وتفانٍ وإخلاص. وحين أقف اليوم كشاهدٍ على العصر، عاصرتُ مسيرة البناء النيابي والتشريعي والتنفيذي في وطننا الغالي، فإن الأمانة والوفاء تقتضيان أن نسلط الضوء على قامة وطنية شامخة شكّلت علامة فارقة في العمل العام الأردني؛ إنه أخي ومعالي الأخ الكبير توفيق محمود كريشان (أبو عبد الله).إن الحديث عن معالي توفيق كريشان ينطلق أولاً من أصالة المنبت وعراقة الجذور؛ فهو سليل عشيرة كريشان العريقة في مدينة معان الأبية، تلك العشيرة الضاربة جذورها في عمق التاريخ الأردني، والتي ارتبط اسمها بالوفاء المطلق والولاء الراسخ للعرش الهاشمي المفدى منذ تأسيس الدولة. هذه النشأة في كنف بيئة أردنية جنوبية أصيلة حرصت على قيم الكرم والشهامة والأنفة، صبغت شخصية أبي عبد الله بصبغة التواضع الجم والارتباط الوثيق بالناس وبهموم المجتمع. فرغم ارتقائه لأعلى المناصب السياسية والمخملية، ظل ذلك "الجنوبي الأصيل" الذي يحمل نبض القرية والمدينة والبادية الأردنية في قلبه وعقله أينما حل.لقد تجلى تفاني معالي توفيق كريشان في العمل العام من خلال مسيرة حافلة بالعطاء امتدت لعقود، تنقل خلالها بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بكفاءة واقتدار عز نظيرهما. عهدناه تحت قبة البرلمان نائباً يمثل صوت الأردنيين بجرأة ومسؤولية، ثم عيُّن عضواً في مجلس الأعيان لمرات عديدة ليرفد مسيرة التشريع بحكمته وخبرته الواسعة. وحين تولى الحقائب الوزارية، لا سيما وزارة الإدارة المحلية والشؤون البلدية التي أدارها في عدة حكومات، وصولاً إلى موقع نائب رئيس الوزراء، وضع فلسفة جديدة للعمل الميداني. لم يكن أبا عبد الله يوماً وزير مكاتب، بل كان رجل الميدان الأول، يزور البلديات والمحافظات من شمال المملكة إلى جنوبها، يستمع للمواطن مباشرة، يحل المعضلات على أرض الواقع، ويوجه بوصلة التنمية نحو الأطراف والمناطق الأقل حظاً بإنصاف وتجرد.تأتي مساهمة معالي توفيق كريشان في "السؤددية الأردنية" من خلال إيمانه المطلق بالثوابت الوطنية وعمله الدؤوب على تحصين الجبهة الداخلية. لقد كان دائماً رجل الدولة المتزن في الأوقات الصعبة، والمحاور البارع الذي يجمع ولا يفرق، يدافع عن منجزات الدولة الأردنية بكل ما أوتي من قوة ومبدئية. في مفاصل وطنية عديدة، تجلت إيجابيته وحنكته السياسية في قيادة الملفات الحيوية وإرساء القواعد الحكيمة للحوار بين السلطات، مؤكداً أن رفعة الأردن ومنعته تنبع من التلاحم الفريد بين القيادة الهاشمية الفذة والشعب الأردني الوفي.ختاماً، إن شهادتي بمعالي توفيق كريشان هي شهادة زمالة ومجايلة في ميادين الخدمة العامة، أرى فيه نموذجاً حياً للمسؤول الذي استحق محبة الأردنيين وثقة القيادة الهاشمية بفضل نظافة اليد، ونقاء السريرة، والتفاني الذي لا يعرف الكلل. ستبقى مسيرته العطرة مدرسة تلهم الأجيال في كيفية صون الأمانة وحمل لواء الواجب من أجل رفعة أردننا العزيز وسؤدده تحت ظل راية جلالة الملك عبد الله الثاني المعظم وولي عهده الأمين.

















