+
أأ
-

أحمد سعد وماجدة الرومي وجورج وسوف والشورت

{title}
بلكي الإخباري

 .. 

عبدالله بني عيسى

كثيرون هاجموا استضافة المطرب المصري أحمد سعد في مهرجان جرش، وقال بعضهم إنه يمثل فكرة نقيضة للثقافة بمعنى من المعاني. لكن المسرح الجنوبي كان يعج بآلاف الأشخاص الذين اشتروا تذاكرهم، وتحركوا بسياراتهم من عمّان أو من مدن أردنية أخرى، وربما من خارج الأردن أيضاً، فقط ليستمعوا إليه ويستمتعوا بحفله. وكثيرون هاجموا جورج وسوف، وقالوا إنه عجوز وعاجز وصوته لم يعد كما كان، لكن الحقيقة أن آلافاً آخرين كانوا ينتظرون إطلالته على المسرح بفارغ الصبر. وسمعت من يقول مستهجناً: "في حدا بعده بسمع ماجدة الرومي؟" نعم، وبكثرة أيضاً. ذهبوا إليها، وفرحوا بها، وعادوا سعداء.

المسألة، ببساطة، تتعلق بحرية الإنسان في خياراته الشخصية، في ذوقه، وميوله، ورغباته الفردية. وهذه الحرية ليست شعاراً رومانسياً نردده، ولا جملة إنشائية نتباهى بها. إنها إحدى الركائز التي قامت عليها الحضارة الإنسانية الحديثة، وأحد أهم الشروط التي جعلت المجتمعات أكثر استقراراً وإبداعاً وازدهاراً.

أن تحب مطرباً أو لا تحبه مسألة شخصية. أن ترتدي شورتاً أو بنطالاً مسألة شخصية. أن تأكل المنسف أو السوشي، أن تشرب القهوة أو الشاي، سفن أب أو كولا، أن تستمع إلى مارسيل خليفة أو أحمد سعد أو فرقة كفر جايز... كلها خيارات فردية لا تحتاج إلى استفتاء مجتمعي، ولا إلى موافقة لجنة للأخلاق، ولا إلى وصاية من أحد.

لكن قبل أن يسارع أحد إلى إساءة فهم ما أقول، فثمة فرق جوهري بين احترام حرية الإنسان في خياراته الشخصية، وبين حق المجتمع في نقد كل ما يتصل بالشأن العام. حين يتعلق الأمر بالسياسة، أو إدارة الدولة، أو الفساد، أو الاقتصاد، أو التعليم، أو التشريعات، أو أي قضية تمس مصالح الناس ومستقبلهم، يصبح النقد حقاً مشروعاً، بل واجباً أحياناً، لأن آثار تلك القرارات لا تتوقف عند صاحبها، وإنما تمتد إلى المجتمع كله. أما خيارات الفرد التي لا تضر أحداً ولا تنتهك القانون، فلا ينبغي أن تتحول إلى شأن عام، ولا إلى محكمة شعبية، ولا إلى معركة أخلاقية يخوضها الجميع.

هذه هي الفكرة التي ما زلنا، مع الأسف، نعجز عن استيعابها.

لا يوجد مجتمع يمارس التنمر والإقصاء على الخيارات الشخصية كما نفعل نحن. الشخصية العربية، حين تستسلم لسطوة الموروث الاجتماعي، لا تكتفي بأن تختار لنفسها، بل تريد أن تختار للآخرين أيضاً. تريدك أن تأكل مثلها، وتشرب مثلها، وتلبس مثلها، وتحب ما تحب، وتكره ما تكره، وتستمع إلى المطرب الذي تستمع إليه، وتتحدث بالطريقة التي تتحدث بها، وتحمل المعتقدات والميول ذاتها. فإذا خرجت عن هذا القطيع، لم تصبح مختلفاً فحسب، بل تتحول في نظرها إلى شاذ أو منحرف أو عدو للقيم. إنها لا تمنحك حتى حق الاختلاف، مع أن الحضارة الإنسانية لم تتقدم إلا لأن أفراداً امتلكوا الشجاعة ليكونوا مختلفين.

والشخصية العربية هنا ليست إدانة للعربي بوصفه إنساناً، بقدر ما هي وصف لمنظومة من القيم والمفاهيم والمعتقدات الموروثة، حين تُحاط بأسوار من القداسة تمنع نقدها أو مراجعتها.

الشعور بأنك حر في ملبسك، وطعامك، وشرابك، وما تستمع إليه، وما تعتقده صحيحاً، ليس ترفاً، بل هو جزء من طبيعة البشر. حتى داخل العائلة الواحدة، المكونة من خمسة أشخاص يجلسون إلى طاولة واحدة في مطعم، قد لا تجد اثنين منهم يطلبان الوجبة نفسها. وهذا ليس مجرد اختلاف في الأذواق، بل هو الطريقة التي يعبر بها الإنسان عن ذاته. وهذه الذات تستحق الاعتراف أولاً، ثم التفهم، ثم الاحترام.

تحدث كثيرون عن سر نهضة دبي التي عشت فيها سنوات طويلة. والصورة النمطية التي يتداولها بعض العرب عنها لا تتجاوز الحديث عن الكحول أو تجارة الجنس، وكأن مدينة بهذا الحجم يمكن اختزالها في هذه الصور السطحية. الحقيقة أن أحد أسرار نجاح دبي كان إدراكها المبكر لأهمية احترام الخيارات الفردية للناس، ما دامت لا تخالف القانون ولا تلحق ضرراً حقيقياً بالآخرين. ولهذا استطاعت أن تتحول إلى مدينة عالمية يعيش فيها الجميع دون أن يشعر أحد بأنه مطالب بأن يصبح نسخة من الآخر.

في دبي قد يجلس على الطاولة نفسها ملياردير من نيويورك، ومهندس من الكرك، وطبيب من مومباي، ورائد أعمال من نيجيريا، ومبرمج من كييف، دون أن يلتفت أحد إلى اختلافهم. فالتنوع هناك ليس استثناءً، بل هو القاعدة.

ويتداول الإماراتيون قصة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، مفادها أن عدداً من المواطنين اشتكوا إلى حاكم دبي من أجانب يرتدون ملابس اعتبروها غير لائقة، وطالبوا بطردهم أو إلزامهم بلباس محتشم. ويقال إن رده كان بسيطاً وعميقاً في آن واحد: دبي مدينة للجميع، وهؤلاء ضيوفنا جاءوا بثقافاتهم إلى بلادنا، ومن الظلم أن نصادر حريتهم في اللباس والطعام والشراب ما داموا يحترمون قوانين الدولة، ولكم أنتم حياتكم الخاصة التي لن يعتدي عليها أحد.

سواء صحت هذه الرواية بكل تفاصيلها أم لا، فإن الفكرة التي تعبر عنها هي ما صنع نموذج دبي. ولو أن الإمارة استسلمت منذ بداياتها لمنطق الوصاية على الأفراد، لما أصبحت المدينة التي يعرفها العالم اليوم.

أكثر ما يؤلمني في المجتمع الأردني، مع الأسف، ليس الاختلاف، بل رفض الاعتراف بحق الآخرين في أن يكونوا مختلفين. أنا شخصياً لم أعد أحب ماجدة الرومي كما كنت في شبابي، لكنني أفهم تماماً حق من يحبها، وأحترمه، وأقدر استعداده لقطع مئات الكيلومترات ودفع ثمن التذكرة ليعيش أمسية يراها جميلة.

وبالمناسبة، كنت في شبابي من عشاق مارسيل خليفة، والشيخ إمام، وأحمد قعبور، وجوليا بطرس. اليوم لا أستمع إليهم إلا بدافع الحنين في مناسبات نادرة، وأجد نفسي أستمتع أكثر بفرقة كفر جايز وهي تغني:

"16 سنة حكمني القاضي…

لأجل المحبة راحت عالفاضي…

جاي تذكرني بزمان الماضي…

بزمان الماضي لا تذكرونا."

ولعل جون ستيوارت ميل لخّص كل هذه الفكرة في عبارة واحدة عندما قال:

“إذا كان شخص لا يؤذي أحداً، فإن مجرد اعتقاد المجتمع بأن طريقته في العيش خاطئة أو غير حكيمة لا يمنح المجتمع الحق في التدخل في حياته.”

هذه ليست دعوة إلى الفوضى، ولا إلى إلغاء حق الناس في النقد. إنها دعوة إلى وضع الحدود الصحيحة بين المجالين: في الشأن العام لا أحد فوق النقد، أما في الشأن الشخصي فلا أحد وصي على أحد. تلك هي المعادلة التي صنعت المجتمعات الحديثة، وما زلنا نحن، مع الأسف، نخلط بين طرفيها كل يوم.