د. حنين البطوش تكتب : حين يصل التنبيه إلى الهاتف… ماذا يتعلم أبناؤنا؟

استشارية نفسية أسرية وتربويّة
في لحظة واحدة، يصدح صوت التنبيه في الهاتف، فيتوقف الحديث، وتتجه الأنظار إلى الشاشة، بالنسبة للكبار، قد يكون الأمر مجرد رسالة تحذيرية، أما بالنسبة للأطفال، فالأمر مختلف تمامًا، فالطفل لا يقرأ الكلمات أولًا، بل يقرأ ملامح وجه والديه، ونبرة صوتهما، وطريقة استجابتهما.
ولهذا فإن أول رسالة تصل إلى الطفل ليست الرسالة التي ظهرت على الهاتف، بل الرسالة التي يرسلها إليه سلوك والديه، وهنا تتجلى أهمية الوعي الأسري والتربوي؛ فطريقة تعاملنا مع الرسائل التحذيرية قد تصنع طفلًا واثقًا ومتزنًا، أو طفلًا يعيش في حالة من القلق والترقب.
الرسائل التحذيرية التي تصل إلى الهواتف المحمولة هي جزء من منظومة وطنية متطورة تهدف إلى حماية المواطنين، من خلال إيصال التعليمات بسرعة في الظروف الاستثنائية، وتمكينهم من اتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب.
فمن المهم أن نوضح لأبنائنا أن بعض هذه الرسائل تكون رسائل تجريبية، تُرسل لاختبار كفاءة النظام والتأكد من جاهزيته، تمامًا كما تُجري المدارس تدريبات الإخلاء، أو كما يتم فحص أجهزة إنذار الحريق في المباني، فالاختبار لا يعني وجود خطر، بل يعني أن هناك مؤسسات تعمل مسبقًا لضمان سلامة المجتمع إذا استدعت الحاجة، وعندما يفهم الطفل هذا المعنى، يتحول صوت التنبيه في ذهنه من مصدر للخوف إلى رمز للجاهزية والوقاية.
من الناحية النفسية، من الطبيعي أن يشعر الإنسان بشيء من القلق أو التوتر عند سماع صوت إنذار غير مألوف، فالدماغ البشري مبرمج فطريًا على الانتباه لأي إشارة قد تدل على وجود خطر، فينشط الجهاز العصبي، ويرتفع مستوى اليقظة، ويبدأ العقل بالبحث عن تفسير لما يحدث، وهذه الاستجابة تُعد استجابة صحية وطبيعية، لأنها تساعد الإنسان على الانتباه واتخاذ القرار المناسب، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا القلق الطبيعي إلى هلع، بسبب التسرع في تفسير الرسالة، أو متابعة الشائعات، أو تداول معلومات غير دقيقة، فالرسالة التحذيرية لا تعني بالضرورة أن الخطر قد وقع، وإنما تعني أن هناك معلومات أو تعليمات ينبغي الاطلاع عليها والتعامل معها بمسؤولية.
تشير الدراسات النفسية إلى أن الأطفال يتعلمون تنظيم مشاعرهم من خلال مراقبة استجابات والديهم، وهي عملية تعرف في علم النفس بـ”التنظيم الانفعالي المشترك”، فإذا رأى الطفل والديه يتعاملان مع الرسالة بهدوء، ويتبعان التعليمات بثقة، فسوف يشعر بالأمان، حتى لو لم يفهم كل تفاصيل الموقف، أما إذا شاهد ارتباكًا، أو صراخًا، أو مبالغة في التخمين، أو متابعة مستمرة للشائعات، فقد يفسر ذلك على أن خطرًا كبيرًا يهدده، فتزداد مشاعر الخوف لديه، لذلك فإن أكثر ما يطمئن الطفل ليس عبارة: “لا تخف”، وإنما أن يرى والديه هادئين وواثقين، فالهدوء ينتقل بالملاحظة، كما ينتقل القلق أيضًا.
هناك مجموعة من الممارسات البسيطة التي تعزز شعور الطفل بالأمان، قراءة الرسالة كاملة قبل التعليق عليها، واستخدام لغة هادئة وواضحة تناسب عمر الطفل، وتوضيح أن الرسالة قد تكون تجريبية أو احترازية، وليست دليلًا على وقوع كارثة، أما الإجابة عن أسئلة الطفل تكون بصدق وبساطة، دون تهويل أو إخفاء، مع تجنب متابعة المقاطع المثيرة أو الشائعات أمام الأبناء، والتأكيد أن الجهات الرسمية ترسل هذه الرسائل لحماية الناس، وليس لإخافتهم، وعندما يشعر الطفل أن والديه يملكان المعلومة ويتصرفان بثقة، يزداد إحساسه بالأمان، حتى في الظروف غير الاعتيادية.
التربية الواعية لا تعني أن نجعل أبناءنا يخشون الأزمات، بل أن نعدهم للتعامل معها، فالطفل الذي يعرف ماذا يفعل عند حدوث ظرف طارئ، يكون أقل عرضة للقلق من الطفل الذي يجهل ما يجري، ولهذا يمكن للأسرة أن تحول الرسائل التحذيرية إلى فرصة تعليمية، فتشرح مفهوم الوقاية، وأهمية الالتزام بالتعليمات، وكيفية التصرف في المواقف المختلفة، فالاستعداد لا يصنع الخوف، بل يصنع الطمأنينة.
الطاعة الواعية هي أساس بناء المواطن المسؤول، فلا نريد أبناءً يلتزمون بالتعليمات خوفًا من العقاب، وإنما لأنهم يفهمون الهدف منها، فعندما نشرح للطفل أن البقاء داخل المنزل أو تجنب منطقة معينة هو إجراء وقائي لحمايته، فإنه يتعلم أن الالتزام بالتعليمات مسؤولية مجتمعية، وليس مجرد تنفيذ للأوامر، وهذا النوع من التربية ينمي لديه الشعور بالمسؤولية، ويعزز ثقته بالمؤسسات التي تعمل من أجل سلامة المجتمع.
قد يستهين بعض الكبار بالرسائل التحذيرية، ويصفونها بأنها مبالغ فيها أو غير ضرورية، لكن الطفل يلتقط هذه الرسائل غير المباشرة، وقد ينشأ وهو يقلل من أهمية التعليمات الرسمية، أو يتعامل معها باستخفاف، والتوازن هنا هو الأساس؛ فلا نبالغ في التخويف، ولا نستهين بالإجراءات الوقائية، فالوعي الحقيقي يعني احترام التعليمات، والالتزام بها، دون هلع أو تهوين.
في زمن الشائعات علموا أبناءكم التفكير النقدي، حيث لم يعد الطفل يتلقى المعلومات من المدرسة فقط، بل من الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي أيضًا، ولهذا أصبح من المهم أن نعلم أبناءنا ألا يصدقوا كل ما يشاهدونه أو يسمعونه، عودوهم أن يسألوا: من مصدر هذه المعلومة؟
هل صدرت عن جهة رسمية؟ هل الخبر حديث؟ هل يمكن التحقق منه؟ وارسخوا في أذهانهم قاعدة بسيطة لكنها عظيمة الأثر: “توقف… تحقق… ثم شارك.”
فالمواطن الواعي لا يقاس بسرعة نشر الخبر، وإنما بدقة ما ينقله.
كما أن للأسرة دورًا محوريًا، فإن المدرسة تمثل شريكًا أساسيًا في إعداد جيل قادر على التعامل مع الأزمات، فتدريبات الإخلاء، وتعليم الإسعافات الأولية، وتعزيز الوعي الرقمي، كلها أدوات تربوية تهدف إلى بناء طالب يعرف كيف يحمي نفسه والآخرين، ويتصرف بهدوء ومسؤولية، فالمدرسة لا تعلم أبناءنا كيف ينجحون في الاختبارات فقط، بل تعلمهم كيف ينجحون في مواجهة الحياة.
هناك فرق كبير بين أن نرفع مستوى الوعي، وبين أن نزرع الخوف، فالتوعية تقدم الحقائق، وتشرح الإجراءات، وتعزز الشعور بالقدرة على التعامل مع المواقف، أما التخويف، فيدفع الإنسان إلى الارتباك، ويضعف قدرته على التفكير السليم، ولهذا ينبغي أن تكون رسالتنا لأبنائنا دائمًا:
“نستعد… لكننا لا نخاف.”، فالاستعداد يمنح الإنسان ثقة، بينما الخوف المستمر يستهلك طاقته النفسية ويضعف إحساسه بالأمان.
إن الرسائل التحذيرية ليست رسائل لإثارة القلق، بل هي إحدى أدوات الوقاية التي تعكس جاهزية الدولة وحرصها على سلامة مواطنيها، أما الرسائل التجريبية، فهي دليل على أن منظومة الحماية تُختبر باستمرار لضمان كفاءتها عند الحاجة، ويبقى الدور الأكبر للأسرة والمدرسة والأعلام في تحويل هذه الرسائل إلى فرصة لغرس قيم الوعي، والانضباط، والمسؤولية، والمرونة النفسية، والثقة بالمؤسسات.
فالأطفال الذين يتعلمون اليوم كيف يواجهون المواقف بهدوء، ويتحققون من المعلومات، ويلتزمون بالتعليمات عن فهم وقناعة، سيصبحون غدًا مواطنين أكثر وعيًا وقدرة على حماية أنفسهم ومجتمعهم، فالخطر الحقيقي ليس في صوت التنبيه، بل في أن نستجيب له بالخوف بدل الوعي، وبالشائعات بدل المعرفة، وبالهلع بدل الحكمة.



















