عقلية الندرة الغائبة: قراءة في أداء وزارة السياحة خلال المونديال

م. معاذ المبيضين
ثمة فارق جوهري بين الفرص التي تتكرر والفرص التي لا تُتاح إلا مرة كل عقد أو أكثر، وقدرة المؤسسات على التمييز بين النوعين هي ما يمكن تسميته بـ"عقلية الندرة": ذلك الوعي الذي يدرك أن بعض النوافذ الزمنية، كمونديال كأس العالم، لا تحتمل إعادة المحاولة إن أخطئ التعامل معها. فهذه الأحداث الكبرى لا تقاس قيمتها بعدد المشاهدين، بل بقدرة الدولة على تحويل الانتباه العابر إلى أثر تراكمي: صورة ذهنية جديدة، أو وجهة سياحية مضافة إلى خريطة القرار لدى ملايين المسافرين المحتملين. فحين ينعقد مثل هذا الحدث، لا يُطرح السؤال على أي وزارة سياحة رشيدة (بهل شاركنا؟)، لا بل (من خاطبنا، ولماذا؟). وهنا بالتحديد، يكشف أداء وزارة السياحة الأردنية خلال هذه المحطة عن غياب هذه العقلية، وهو غياب أعمق من كونه مجرد خلل تنظيمي عابر. فحين توجّه فعاليات ترويجية إلى الجالية الأردنية في الولايات المتحدة، فإن هذا الاختيار ليس خطأ تقنياً في تحديد المكان، بل هو انعكاس لفهم مختلط بين وظيفتين متمايزتين: وظيفة التواصل المجتمعي مع المغتربين، ووظيفة الترويج السياحي الخارجي. فالأولى تخاطب من يعرف الأردن أصلاً، ويحمل انتماءً مسبقاً له، ولا يحتاج إلى إقناع بقيمته كوجهة. أما الثانية فتخاطب من لا يعرف الأردن، ومن يكون قراره قابلاً للتغيير عبر الصورة واللحظة والانطباع الأول. والخلط بين الجمهورين ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل هو المؤشر الأوضح على غياب استراتيجية تسويقية تُبنى على تحليل السوق، وتستبدل بدلاً من ذلك بفعاليات احتفالية أقرب إلى المناسبات المجتمعية منها إلى الحملات الترويجية.
هذا الالتباس يقود إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تدير الوزارة السياحة كملف تنموي يستهدف اقتصادات جديدة، أم تديرها كملف علاقات عامة يستهدف الشعور بالحضور؟ والفارق بين الإدارتين هائل، فالأولى تقاس بعدد الحجوزات والوجهات الجديدة المفتوحة، والثانية تقاس بعدد الصور والتغطيات الإعلامية. فحين تدار المؤسسات وفق منطق الحضور بدلاً من منطق الأثر، فإنها تنتج فعاليات ناجحة شكلياً، لكنها فاشلة وظيفياً.
المونديال، من الناحية التسويقية، ليس حدثاً عادياً يمكن تعويضه لاحقاً؛ إنه نافذة زمنية ومكانية محدودة، تجتمع فيها كثافة إعلامية غير مسبوقة مع جمهور عالمي متنوع الجنسيات والدوافع السياحية. والفرصة هنا مورد نادر، وإدارتها تتطلب منطقاً مختلفاً عن إدارة الفعاليات الروتينية. وحين تستهلك هذه النافذة في مخاطبة جمهور موجود أصلاً ضمن العلاقة مع الدولة، فإن التكلفة الحقيقية ليست فقط الموازنة المنفقة، بل الفرصة البديلة الضائعة: تلك اللحظة التي كان يمكن فيها الوصول إلى جمهور جديد لم يكن ليعرف الأردن لولا هذا الحدث تحديداً.
هذا النمط من إدارة الفرص المحدودة يكشف عن غياب عقلية الندرة في التخطيط المؤسسي؛ أي القدرة على التمييز بين الأنشطة التي يمكن تكرارها في أي وقت، وتلك التي لا تتاح إلا مرة كل عقد أو أكثر. فالمؤسسات التي تتعامل مع الفرص النادرة بمنطق الفرص المتكررة، تخسر دون أن تشعر بالخسارة، لأن الفعالية حدثت، والحضور تحقق، لكن الهدف الفعلي، وهو تحويل الانتباه العالمي إلى قرار سفر، لم يلامس أصلاً.
كثيراً ما يقاس نجاح الفعاليات الحكومية بمعايير الجهد المبذول: عدد الأنشطة، وحجم الحضور، والتغطية الإعلامية المحلية. لكن هذه المعايير جميعها تصف الحركة، لا الأثر. فحين تغيب مؤشرات أداء واضحة مرتبطة بالهدف الفعلي، مثل عدد الاستفسارات السياحية الواردة من أسواق مستهدفة، أو حجم التغطية في وسائل الإعلام الدولية غير الناطقة بالعربية، أو أثر الحدث على حجوزات الموسم اللاحق، فإن التقييم يتحول من قياس النتيجة إلى الاحتفاء بالنية.
وهذا الغياب ليس تفصيلاً فنياً في القياس، بل هو انعكاس لثقافة مؤسسية أوسع، حيث تدار الوزارات وفق منطق تنفيذ الفعالية بدلاً من تحقيق الهدف، وحيث تصبح المساءلة عن الإنفاق والتخطيط أمراً استثنائياً بدلاً من أن تكون جزءاً بنيوياً من دورة العمل المؤسسي.
استراتيجياً، الأداء في جوهره، ليس انعكاساً للجهد المبذول، بل انعكاساً لمدى وضوح الهدف، ودقة القياس، ووجود جهة تُساءل عن الفجوة بين ما أنفق وما تحقق.
وحين تختزل المشاركة في حدث عالمي إلى حضور رمزي موجه للداخل، فإن الرسالة الضمنية التي تصل، سواء أريد ذلك أم لم يرد، هي أن الوزارة تدير علاقتها مع الأردنيين أنفسهم أكثر مما تدير علاقتها مع العالم. وهذا لا يعني أن التواصل مع الجالية غير مهم؛ فالجاليات شريك حقيقي في الترويج غير المباشر للبلد. لكن هذا التواصل له أدواته الخاصة، ولا ينبغي أن يستهلك الموارد والانتباه المخصصين أصلاً لمخاطبة الأسواق الجديدة. والسؤال الأعمق هنا لا يتعلق بحدث بعينه، بل بالقدرة المؤسسية على التمييز بين ما يشعر بالإنجاز وما يحقق الإنجاز فعلاً. فالمؤسسات التي تفتقر إلى هذا التمييز، تجد نفسها، مع كل مناسبة كبرى، تكرر النمط ذاته: احتفال داخلي بدلاً من اختراق خارجي، وتغطية محلية بدلاً من أثر دولي.
في النهاية، لا يقاس نجاح وزارة السياحة في مناسبة كالمونديال بما قيل عنها في الداخل، بل بما تغيّر، ولو بمقدار ضئيل، في نظرة العالم إلى الأردن كوجهة. وحين تغيب الإجابة الواضحة عن هذا السؤال، يبقى الأداء موضع تساؤل، لا لأن النوايا لم تكن حسنة، بل لأن حسن النية وحده لم يعد كافياً لإدارة فرصة لا تتكرر.



















