+
أأ
-

د.محمد حسين المجالي :- سحب الحكومة لمشروع القانون بعد إحالته إلى مجلس الأمة: هل تبقى لها ولاية دستورية؟

{title}
بلكي الإخباري

 

شهدت المناقشات التي جرت تحت قبة مجلس النواب طرح رأي قانوني مؤداه أن للحكومة أن تسحب مشروع القانون في أي مرحلة من مراحل العملية التشريعية، حتى ولو كان المشروع قد انتقل إلى مجلس الأعيان، استنادًا إلى أن المشروع يبقى مشروعًا حكوميًا إلى حين استكمال مراحله الدستورية. وهذا الرأي، على أهميته، يثير مسألة دستورية لا تتعلق بالإجراءات البرلمانية أو باعتبارات الملاءمة السياسية، وإنما بطبيعة الاختصاص الدستوري وحدوده، وباللحظة التي تنتهي فيها ولاية السلطة التنفيذية على مشروع القانون وتبدأ ولاية السلطة التشريعية.

في تقديري، لا يكمن جوهر الخلاف في وجود نص صريح يجيز للحكومة سحب مشروع القانون أو يمنعها من ذلك، وإنما في تحديد صاحب الاختصاص الدستوري على المشروع بعد إحالته إلى مجلس الأمة. فالدستور لا يعالج هذه المسألة بمنطق الملكية، بحيث يبقى المشروع مملوكًا للحكومة لأنها أعدته، وإنما بمنطق الاختصاص، أي تحديد الجهة التي تملك دستوريًا التصرف فيه في كل مرحلة من مراحل العملية التشريعية.

ومن هنا، فإن التمييز بين حق المبادرة التشريعية والولاية الدستورية على مشروع القانون يصبح أمرًا حاسمًا. فالحكومة تملك حق المبادرة، أي إعداد المشروع وإقراره وإحالته إلى مجلس النواب، غير أن هذا الحق يستنفد بمجرد استعماله. أما بعد الإحالة، فإن المشروع يغدو جزءًا من العملية التشريعية التي يمارسها مجلس الأمة بموجب الاختصاص الذي خوله له الدستور.

وتقود هذه النتيجة إلى مبدأ دستوري راسخ، يتمثل في أن الاختصاصات الدستورية اختصاصات مانعة. والمقصود بذلك أن الدستور، عندما يعهد باختصاص معين إلى سلطة من السلطات، فإنه يمنع غيرها من مزاحمتها في ممارسته، كما يمنع السلطة التي انتهت ولايتها من استعادة هذا الاختصاص بإرادتها المنفردة. فالاختصاص الدستوري ليس امتيازًا سياسيًا، ولا حقًا شخصيًا للسلطة، وإنما وظيفة دستورية تنشأ بالدستور وتنقضي وفقًا لأحكامه.

ومن هذا المنظور، لا تبدو المادة (91) من الدستور مجرد نص ينظم كيفية عرض مشاريع القوانين على مجلس النواب، بل تؤسس لمرحلة دستورية جديدة في حياة المشروع. فالإحالة ليست إجراءً شكليًا أو انتقالًا ماديًا للأوراق، وإنما واقعة دستورية يترتب عليها انتقال الولاية على المشروع من الحكومة إلى السلطة التشريعية. ومنذ تلك اللحظة، يصبح مجلس الأمة هو صاحب الاختصاص في قبوله أو تعديله أو رفضه، بينما يقتصر دور الحكومة على عرض مبررات المشروع والدفاع عنه أثناء المناقشات البرلمانية.

ولعل هذا الفهم يتأكد بصورة أوضح عندما يكون المشروع قد انتقل إلى مجلس الأعيان. ففي هذه المرحلة يكون المشروع قد اندمج كاملًا في العملية التشريعية، ولم يعد مجرد مشروع حكومي معروض للنقاش. ومن ثم، فإن القول بجواز سحبه في هذه المرحلة يعني منح السلطة التنفيذية صلاحية إنهاء عمل تشريعي أصبح داخل الولاية الدستورية للسلطة التشريعية، وهو ما لا ينسجم مع مبدأ الفصل بين السلطات ولا مع الطبيعة الحصرية للاختصاصات الدستورية.

وقد يستند هذا الاتجاه إلى قرار المجلس العالي لتفسير الدستور رقم (1) لسنة 2001، الذي انتهى إلى جواز استرداد الحكومة لمشروع القانون بعد إحالته إلى مجلس الأمة. ولا خلاف في أن هذا القرار يمثل اجتهادًا دستوريًا مهمًا، غير أن قيمة الاجتهاد لا تحول دون مراجعته في ضوء تطور الفقه الدستوري ومناهج التفسير.

ويبدو أن جوهر الإشكال في ذلك القرار أنه انطلق من افتراض استمرار اختصاص الحكومة على المشروع بعد الإحالة، ثم بحث عما إذا كان الدستور يتضمن نصًا يمنعها من استرداده. غير أن المنهج الدستوري، في تقديري، يقتضي البدء بالسؤال السابق على ذلك: هل بقي للحكومة أصلًا اختصاص دستوري على المشروع بعد انتقاله إلى مجلس الأمة؟

ذلك أن الأصل في القانون الدستوري ليس أن السلطات العامة تملك كل ما لم يمنعه الدستور، وإنما أنها لا تمارس إلا الاختصاص الذي منحه لها الدستور. فالاختصاص لا يُفترض، ولا ينشأ من سكوت النصوص، ولا يستمد من الممارسة العملية، وإنما يقوم على سند دستوري. ومن ثم، فإن غياب النص الذي يمنع السحب لا يكفي لإثبات سلطة لم يقرر الدستور بقاءها بعد انتقال المشروع إلى السلطة التشريعية.

كما أن الاستناد إلى السوابق العملية لا يحسم المسألة. فالممارسة، مهما تكررت، لا تنشئ اختصاصًا دستوريًا جديدًا، ولا تعدل توزيع الاختصاصات الذي رسمه الدستور. فالعرف الدستوري قد يسهم في تفسير النصوص أو سد الفراغ الإجرائي، لكنه لا يستطيع أن ينقل اختصاصًا من سلطة إلى أخرى، أو أن يعيد إلى سلطة ولاية استنفدتها بموجب الدستور.

ومن جهة أخرى، فإن إعادة النظر في اجتهاد عام 2001 لا تتعارض مع المبادئ المستقرة في القضاء الدستوري. فالسوابق القضائية، وإن كانت تحقق قيمة مهمة تتمثل في استقرار التفسير، ليست بمنأى عن المراجعة. وقد استقرت المحاكم الدستورية في الأنظمة المقارنة على أن العدول عن السابقة الدستورية يظل جائزًا متى تبين أن تفسيرًا آخر أكثر اتساقًا مع نصوص الدستور ومبادئه. فالغاية النهائية للقضاء الدستوري ليست حماية اجتهاداته السابقة، وإنما حماية الدستور ذاته.

ومن ثم، فإن إعادة تقييم قرار المجلس العالي لتفسير الدستور لا تعني الانتقاص من مكانته أو من القيمة العلمية التي يمثلها، وإنما تعكس تطورًا طبيعيًا في الفقه الدستوري، يهدف إلى إعادة بناء التفسير على أساس أكثر انسجامًا مع مبدأ الفصل بين السلطات ونظرية الاختصاص الدستوري المانع.

وخلاصة الأمر، أن مشروع القانون، بعد إحالته إلى مجلس الأمة، لا يبقى مشروعًا حكوميًا من حيث الاختصاص، وإن ظل كذلك من حيث المنشأ. فالإحالة تمثل نهاية ولاية الحكومة على المشروع، وبداية ولاية السلطة التشريعية عليه. ومتى انتقل الاختصاص، امتنع على السلطة التي استنفدت ولايتها أن تسترده بإرادتها المنفردة، لأن الدستور لا يعرف فكرة الملكية الدستورية لمشروعات القوانين، وإنما يعرف فكرة الاختصاص الدستوري وحدوده.

ولذلك، فإن القول بجواز سحب الحكومة لمشروع القانون بعد انتقاله إلى مجلس الأعيان يفترض استمرار اختصاص دستوري لم يقرر الدستور بقاءه، ويؤدي إلى تمكين السلطة التنفيذية من إنهاء عمل تشريعي أصبح داخل الولاية الحصرية لمجلس الأمة. أما القول بانتهاء ولاية الحكومة بمجرد الإحالة، فهو الأقرب إلى نص المادة (91)، والأكثر اتساقًا مع مبدأ الفصل بين السلطات، ومع القاعدة الدستورية التي تقضي بأن الاختصاصات الدستورية اختصاصات مانعة، لا تثبت إلا بالدستور، ولا يجوز استردادها أو مزاحمة صاحبها فيها إلا بنص دستوري صريح.