م. احمد عبدالله المجالي يكتب :- القصر... مدينةُ الثقافة الأردنية ..تتويج لتاريخ من العطاء

“حين تُبنى العقول، يُصبح الحجر أكثر رسوخًا، وحين تُصان الذاكرة، يزدهر المستقبل.”
لكل مدينةٍ روحٌ تُعرَف بها، وذاكرةٌ تُخلّدها، ورسالةٌ تمنحها مكانتها بين المدن. وما كانت الحضارات يومًا تُقاس بما شُيِّد فيها من حجر، بقدر ما كانت تُقاس بما أنجبته من إنسان، وما أضاءته من عقول، وما تركته من أثر في مسيرة الأوطان. فالثقافة هي الروح التي تنبض بها المدن، والهوية التي تحفظ ملامحها، والإنسان هو أعظم ما يُبنى فيها، لأنه صانع التاريخ، وحارس الذاكرة، وحامل رسالة الوطن من جيلٍ إلى جيل..وهو الذي يمنح المكان معناه ؛ويصنع تاريخه ،ويحفظ هويته ،ويجعل من مدينته قصة تستحق أن تروى ، ورسالة تستحق أن تورث ..
ومن هنا، فإن الحديث عن مدينة القصر لا يبدأ من اختيارها مدينةً للثقافة، بل يبدأ من تاريخها العريق، ومن صفحاتٍ مضيئة خطّها أبناؤها بعرقهم وإخلاصهم، ومن مسيرة وطنية طويلة جعلت منها اسمًا حاضرًا في ذاكرة الأردن، لا لأنها مدينةٌ كبيرة في مساحتها، بل لأنها كانت كبيرةً في عطائها، وعظيمةً برجالها، وغنيةً بقيمها، وراسخةً في انتمائها..
فالقصر لم تكن يومًا مدينةً تقف على هامش الأحداث، بل كانت حاضرةً في قلب الدولة الأردنية منذ البدايات، تمدُّ الوطن بالرجال الذين حملوا الأمانة، وأخلصوا للعرش الهاشمي، وجعلوا خدمة الأردن رسالةً قبل أن تكون وظيفة، وشرفًا قبل أن تكون مسؤولية.…
ومن هذه الأرض الطيبة خرج الشيوخ الذين عُرفوا برجاحة العقل، وحكمة الرأي، وإصلاح ذات البين، فكانوا مرجعًا في السلم الاجتماعي، كما خرج منها الفرسان الذين حملوا قيم الشجاعة والكرامة، وكتبوا مواقف بقيت شاهدة على معدن الإنسان الأردني الأصيل. ومنها خرج رؤساء حكومات ووزراء تحملوا مسؤولية الدولة في مراحل مفصلية، وقضاة أقاموا ميزان العدل، وضباط كبار حملوا راية الجيش العربي والأجهزة الأمنية بكل شرف واقتدار، ومعلمون ومربو أجيال صنعوا العقول قبل الشهادات، وغرسوا في نفوس الطلبة حب الوطن، ومثقفون وأدباء ومفكرون أثروا الحياة الفكرية والثقافية، فكانوا سفراء للقصر في كل موقع خدموا فيه الأردن…
إنها مدينة لم تبخل يومًا على وطنها، بل ظلّت تهديه خيرة أبنائها جيلاً بعد جيل، حتى أصبح العطاء فيها إرثًا تتناقله الأجيال، ورسالةً يورثها الآباء للأبناء. وما تزال القصر إلى اليوم تنجب الكفاءات والطاقات التي تؤمن بأن خدمة الوطن شرف، وأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بما يقدمه الإنسان من عملٍ وإخلاصٍ وإنجاز..
فهذه هي القصر التي حفظت عهد أردنيتها، وصانت الوطن، وحملت رايته على أكف الوفاء والإخلاص، وظلت على الدوام وفيةً لقيادتها الهاشمية، مخلصةً لرسالتها الوطنية، تقدم أبناءها رجال دولة، وفرسان ميادين، وصُنّاع الفكر، وحملة رسالة، ولم تبدل يومًا عهدها، وستبقى، بإذن الله، منبعًا للعطاء، ورافدًا للوطن بكل ما هو نبيل وجميل..
ولذلك، لم يكن اختيار القصر مدينةً للثقافة تكريمًا لمدينة فحسب، بل كان تكريمًا لذاكرة وطنية حيّة، واعترافًا بتاريخ طويل من العطاء، وإنصافًا لمدينة أسهمت في بناء الإنسان الأردني كما أسهمت في بناء الدولة الأردنية. ومن حق القصر، ومن حق لوائها بكل بلداته وقراه، أن يفاخر اليوم بهذا الاستحقاق، لأنه ثمرة عقود من العمل والإخلاص، ورسالة تؤكد أن المدن التي تصنع الرجال، وتحفظ ذاكرتها، وتؤمن بالعلم والثقافة، هي الأجدر بأن تتوشح بهذا اللقب..
ولعل القيمة الحقيقية لهذا الاختيار لا تكمن في كونه لقبًا يُمنح لمدينة، بل في كونه رسالة تقدير لمسيرةٍ طويلةٍ من البناء الهادئ، والعمل الصادق، والإيمان بأن الأمم لا ترتقي إلا حين تجعل الثقافة أسلوب حياة، لا مناسبة عابرة. فالقصر لم تنتظر هذا التكريم لتؤمن بالثقافة، بل كانت الثقافة جزءًا من تكوينها، ومن شخصيتها، ومن وجدان أهلها، فجاء التكريم تتويجًا لمسيرة سبقت الإعلان بسنوات طويلة..
ومنذ انطلاق فعاليات "مدينة الثقافة"، لمس أبناء لواء القصر والكرك حراكًا ثقافيًا استثنائيًا، تقوده وزارة الثقافة، ومديرية ثقافة الكرك، واللجان المنظمة، بروح تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من تشييد المباني، بل من بناء الإنسان، وأن أعظم المشاريع ليست تلك التي تُشيَّد بالحجر، وإنما تلك التي تُشيَّد في العقول والوجدان..
لقد تحولت الندوات الثقافية الأسبوعية إلى مواسم للمعرفة، ينتظرها الناس كما ينتظر الظمآن الغيث، فتروي عطش الأرواح قبل العقول. ففي كل لقاء تُفتح نافذة على صفحة مشرقة من تاريخ المدينة، وفي كل أمسية تُستعاد سيرة رجل أو امرأة تركت أثرًا في الوطن، وفي كل محاضرة تُبعث ذاكرة كانت تستحق ألا تغيب، وكأن القصر تعيد كتابة سيرتها بمداد الوفاء، لتقول للأجيال الجديدة إن الأمم لا تبدأ من الصفر، وإنما تبدأ من حيث انتهى المخلصون الذين سبقوها..
ولم يكن هذا الحراك مجرد برنامج ثقافي عابر، بل كان مشروعًا وطنيًا لإحياء السرديةالأردنية، وصيانة الذاكرة الجمعية، وإعادة الاعتبار للقامات الوطنية التي خدمت الأردن بإخلاص. فتكريم أصحاب الأثر ليس احتفاءً بأسمائهم فحسب، بل هو احتفاء بالقيم التي حملوها، وبالمبادئ التي عاشوا من أجلها، وبالدروس التي تركوها ميراثًا للأجيال القادمة.
ولعل أجمل ما في هذا الحراك أنه لم ينظر إلى الثقافة بوصفها رفاهية للنخبة، بل جعلها حقًا للمجتمع بأسره. فقد اقترب من الناس، ولامس وجدانهم، وأعاد للكلمة مكانتها، وللمجالس الثقافية رونقها، وللذاكرة حضورها، حتى غدت الثقافة جزءًا من الحياة اليومية، يتداولها الناس في لقاءاتهم كما يتداولون أخبارهم، وأصبحت المعرفة جسرًا يجمع الأجيال، لا حاجزًا يفصل بينها..
ومن هنا، فإن الثقافة لا تحفظ الماضي فحسب، بل تصنع المستقبل أيضًا. فهي القادرة على أن تُحوّل الذاكرة إلى طاقة، والتاريخ إلى دافع، والقدوات إلى نماذج يُحتذى بها، لتصبح المدينة مدرسة مفتوحة، ويتحول كل مجلس ثقافي إلى فصل من فصول بناء الإنسان، وكل قصة نجاح إلى بذرة أمل تُزرع في عقول الأجيال















