+
أأ
-

أكرم زعيتر في أتون الدبلوماسية ... حارس للذاكرة في زمن الإنكسارات

{title}
بلكي الإخباري

محمد قاسم عابورة

مع صدور وإشهار الجزء الرابع من سلسلة  "يوميات أكرم زعيتر (1971-1975): في أتون الدبلوماسية " ، تتعزز القناعة بأن التاريخ العربي الحديث قلّما أنجب شخصية استطاعت أن تجمع في آنٍ واحد ، بين صانع الحدث ومؤرخه ، وبين المناضل الذي يشارك في صناعة التحولات ، ورجل الدولة الذي يسهم في إدارتها ، والمثقف الذي يمتلك رؤية نقدية تتجاوز الوصف إلى التحليل والاستشراف . إنها معادلة استثنائية لا تتحقق إلا في شخصيات نادرة ، استطاعت أن تحوّل تجربتها السياسية إلى وثيقة تاريخية ، وأن تجعل من الذاكرة الوطنية سجلاً حيّاً للأحداث لا مجرد رواية عنها ،  وفي مقدمة هذه الشخصيات يبرز أكرم زعيتر، الذي لم يكن شاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ العرب وفلسطين والأردن فحسب ، بل كان أحد الفاعلين في صياغة كثير من محطاتها ، لتصبح يومياته مرجعاً لا غنى عنه لفهم تلك الحقبة واستيعاب تعقيداتها السياسية والدبلوماسية والفكرية.

لقد عايش اكرم زعيتر القرن العربي العشرين بكل انكساراته وأحلامه ،  شهد الانتداب البريطاني، وعاصر الثورات الفلسطينية الكبرى، وواكب النكبة، وشارك في المشروع القومي العربي، ثم انتقل إلى مواقع القرار في الدولة الأردنية، قبل أن يترك للأجيال مشروعاً توثيقياً يعد من أهم الشهادات السياسية العربية في العصر الحديث . ومن هنا فإن قراءة يوميات أكرم زعيتر لا ينبغي أن تكون قراءة لسيرة رجل ، بل قراءة لعصر كامل ، لأن الرجل لم يكن يكتب عن نفسه بقدر ما كان يكتب عن الأمة وهي تصنع تاريخها  .

وتكمن خصوصية زعيتر في أنه أدرك مبكراً أن الاحتلال لا يستولي على الأرض وحدها ، بل يسعى أيضاً إلى احتكار الرواية. لذلك لم يكن التوثيق بالنسبة إليه عملاً ثقافياً محايداً ، أو ترفاً يملأ بعضاً من فائض الوقت لدية ، بل معركة سياسية بامتياز ،  كان يدرك أن الأمم التي لا تكتب تاريخها ، سيكتبه عنها خصومها ، وأن ضياع االسردية الموثقة لا يقل خطورة عن ضياع الأرض ، لأن احتلال الذاكرة هو المقدمة الطبيعية لاحتلال المستقبل .

منذ سنواته الأولى في نابلس ، لم ينظر زعيتر إلى الصحافة باعتبارها مهنة ، بل اعتبرها سلاحاً من أسلحة التحرر الوطني، وحين تولى تحرير  " مرآة الشرق " في القدس، لم يكن يكتب افتتاحيات صحفية بقدر ما كان يخوض مواجهة سياسية مفتوحة مع الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني ،  ولهذا لم يكن الاعتقال بالنسبة إليه حادثاً عارضاً ، بل كان الثمن الطبيعي للكلمة الحرة ، تماماً كما كانت المحاكم والسجون جزءاً من يوميات جيل آمن بأن الحرية لا تُمنح وإنما تُنتزع .

لقد تجاوز زعيتر مبكراً حدود الوطنية الفلسطينية إلى فضاء القومية العربية ،  لم ير فلسطين قضية جغرافية معزولة ، وإنما اعتبرها التعبير الأكثر وضوحاً عن أزمة الأمة كلها ، ولذلك انخرط في حزب الاستقلال ، وشارك في عصبة العمل القومي ، وأسهم في النشاط السياسي الممتد من فلسطين إلى سوريا والعراق ولبنان ، مؤمناً بأن المشروع الصهيوني لم يكن ليستطيع التقدم لولا حالة الإنقسام زالتشرذم العربي ، وأن وحدة العرب ليست شعاراً عاطفياً ، بل ضرورة استراتيجية لحماية مستقبل الأمة العربية واستقلالها .

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في يومياته أنه لم يكن أسير الشعارات القومية التي سادت في منتصف القرن الماضي ، بل مارس نقداً داخلياً قاسياً للتجربة العربية نفسها ، فقد سجّل بإحساس المؤرخ ودقة السياسي كيف تحولت مشاريع الوحدة إلى ساحات للصراع ، وكيف انتصرت الحسابات الضيقة على المشروع النهضوي ، حتى أصبح عنوان أحد أهم أجزاء يومياته : (آمال الوحدة وآلام الانقسام )، وهو عنوان لا يصف كتاباً بقدر ما يختصر مأساة النظام العربي الحديث وأزماته البنيوية .

وبعد نكبة عام 1948، دخل أكرم زعيتر مرحلة جديدة من حياته ، حين انتقل إلى العمل الرسمي في الدولة الأردنية ، فتولى مناصب دبلوماسية وسياسية رفيعة، كان أبرزها وزارة الخارجية ، ووزيرا للبلاط  ، وسفيراً في دمشق وطهران وبيروت، ورئاسة اللجنة الملكية لشؤون القدس، وعضوية مجلس الأعيان .

وقد يظن البعض أن انتقاله من الثورة إلى الدولة كان تنازلاً عن خياراته الأولى ، ولكن من خلال قراءة يومياته تكشف العكس تماماً ،  فقد ظل يحمل القضية ذاتها ، وإن تبدلت أدوات الدفاع عنها ،  لقد فهم أن السياسة ليست شعارات ثابتة ، بل إدارة متغيرة لموازين القوى ، وأن الدفاع عن فلسطين لا يكون فقط في ساحات المواجهة ، وإنما أيضاً في المؤسسات الدولية ، وفي غرف صنع القرار، وعلى طاولات الدبلوماسية ،  وهكذا جمع بين واقعية رجل الدولة وصلابة المناضل ، دون أن يتخلى عن أي منهما .

غير أن القيمة الحقيقية لتجربة أكرم زعيتر لا تكمن في المناصب التي تقلدها ، وإنما في المشروع الفكري الذي تركه خلفه ، فاليوميات التي كتبها على امتداد أكثر من نصف قرن ليست مجرد سجل شخصي ، وإنما مختبرا سياسيا مفتوحا يكشف آليات صناعة القرار العربي ، ويرصد تفاصيل الصراع العربي الإسرائيلي، ويعرض كواليس الانقلابات ، ومشاريع الوحدة ، والخلافات العربية ، وتحولات القضية الفلسطينية ، بل ويقدم تقييماً نقدياً لأبرز القادة العرب بعيداً عن التقديس أو الشيطنة.

إنها بحق شهادة رجل عاش الحدث ، ولم يكتبه بعد سنوات من وقوعه، بل سجله وهو يتشكل أمام عينيه ، وهذه هي القيمة المنهجية الكبرى ليومياته ، فهي لا تقدم التاريخ بعد أن هدأت عواصفه ، وإنما ترصد الحدث وارتداده وتناقضاته وهو لا يزال في طور التشكل ،  ولذلك أصبحت اليوم مرجعاً مهمّاً لكل من يريد فهم السياسة العربية من داخلها ، لا من خلال روايات تكتبت لاحقا كما يطلبه الأخرون .

وفي زمن تتعرض فيه الرواية الفلسطينية إلى محاولات متواصلة لإعادة الصياغة والتشويه ، تكتسب يوميات زعيتر بعداً يتجاوز التاريخ إلى السياسة الراهنة ،  فهي ليست مجرد وثائق عن الماضي ، وإنما دفاع متواصل عن حق الفلسطينيين والعرب في امتلاك سرديتهم الوطنية ، وإثبات أن الذاكرة نفسها يمكن أن تكون سلاحا و شكلاً  من أشكال   المقاومة .

لقد أثبت أكرم زعيتر أن الكلمة قد تكون أبلغ من الخطب ، وأن الوثيقة قد تعادل في أثرها معركة كاملة، وأن المؤرخ الحقيقي ليس من يكتب ما انتهى، بل من يحفظ الحقيقة قبل أن تمتد إليها يد التزوير ، واليوم، وبينما يعيش العالم العربي مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الخرائط والتحالفات والروايات، تعود تجربة زعيتر لتفرض سؤالها الكبير: كيف يمكن لأمة أن تخوض معارك المستقبل إذا كانت لا تمتلك رواية متماسكة عن ماضيها؟

ربما تكمن الإجابة في الإرث الذي تركه هذا الرجل الموسوعي ، فقد غادر أكرم زعيتر الحياة ، لكنه ترك مشروعاً سياسياً وفكرياً يذكرنا بأن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الأرض ، وأن الدفاع عن الحقيقة هو الشرط الأول للدفاع عن الوطن ،  ولهذا لم يكن مجرد وزير أو سفير أو مؤرخ ، بل كان أحد حرّاس الذاكرة العربية ، ورجلاً أدرك أن التاريخ لا يُكتب بالحبر وحده، بل بالموقف أيضاً .