رلي السماعين تكتب : البيئة الجاذبة في الأردن

نقرأ بتفاؤل كبير في صحفنا اليومية أن الأردن بيئة جاذبة للاستثمار؛ ما جعلني أتساءل عن المقومات الواقعية لهذه «البيئة»، وهل امتلاك بعضها يكفي؟ ومتى نلمس المردود الاقتصادي للاستثمارات، ونشعر بأثره على حياتنا كمواطنين؟ بعد سماع قصص متعددة من مستثمرين في الداخل والخارج، سواء كانوا أردنيين يرغبون في الاستثمار في وطنهم، أم عرباً وأجانب اختاروا الأردن، وجدت أن العنصر المشترك بينهم جميعاً هو عنصر الثقة. فعندما نشجع القريب والغريب على الاستثمار في الأردن، فهذا يعني أساساً بأن الدولة تقدم للمستثمر الثقة والحماية أولاً، بالاضافة إلى إجابات واضحة عن القوانين والإجراءات.
العنصر الأهم في بناء بيئة آمنة للاستثمار، كما وجدت بعد البحث، هو الثقة. والثقة تحتاج إلى دولة مستقرة، وقانون واضح يُطبّق دون تعقيدات، وإدارة كفؤة، وبنية تحتية قادرة على خدمة مختلف المشاريع، إلى جانب موارد بشرية مؤهلة وسوق يتيح الوصول إلى أسواق أخرى. كما تتطلب عدالة في المنافسة، وسرعة في إنجاز المعاملات، وقضاءً قادراً على حسم النزاعات، ومؤسسات تتحدث بلغة واحدة أمام المستثمر.
والأردن، بحمد الله، يمتلك كثيراً من هذه المقومات؛ فموقعه الجغرافي يربطه بأسواق الخليج وبلاد الشام والعراق، ويمتد عبر اتفاقياته وعلاقاته الاقتصادية إلى أسواق أوروبا والولايات المتحدة وغيرها من الأسواق العالمية. كما يتمتع باستقرار سياسي ومؤسسي في منطقة عانت طويلاً من الاضطرابات، ويمتلك قطاعاً مصرفياً متماسكاً، وكفاءات بشرية متميزة في مختلف القطاعات، إلى جانب فرص واعدة في تكنولوجيا المعلومات، والسياحة، والصناعات الدوائية والغذائية، والخدمات الصحية، والطاقة المتجددة، والتعدين.
هذه المقومات الكبيرة ليست مجرد انطباعات. فقد أشار تقرير مناخ الاستثمار الأمريكي لعام 2025 إلى أن الأردن استقطب نحو 1.6 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2024، وحقق نمواً اقتصادياً بلغ 2.5 في المئة، رغم الاضطرابات الإقليمية، في الوقت الذي تراجعت فيه تدفقات الاستثمار الأجنبي عالمياً بنسبة 11 في المئة في العام نفسه، وفق تقرير الاستثمار العالمي الصادر عن الاونكتاد، تصبح قدرة الأردن على جذب الاستثمار مؤشراً مهماً إلى الثقة بمرونته واستقراره.
لكن البيئة الجاذبة بالرغم من المميزات عليها إدراك العقبات ومواجهتها لتفادي التعطيل، الذي يبرز على شكل ارتفاع كلف التشغيل كما يشير البنك الاوروبي لاعادة الاعمار والتنمية، وأحياناً في تعقيد بعض إجراءات الأعمال، وضعف أسواق التمويل، والحاجة إلى تطوير النقل والربط التجاري، و أسعار الكهرباء المترتبة على القطاع الخاص، أيضاً إلى تغيير بعض التعليمات، وطول الإجراءات، وتعدد المرجعيات، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية. فالمستثمر يستطيع احتساب الضريبة والكلفة، لكنه يصعب أن يحتسب التأخير أو المفاجأة الإدارية.
الأردن بيئة جاذبة، وجهود جلالة الملك عبدالله الثاني، حفظه الله، كبيرة ومقدرة في العمل الدؤوب على جذب الاستثمار ونجحنا، إنما علينا الآن المحافظة على هذه الثقة التي تحتاج إلى انتقال مستمر من الترويج إلى التنفيذ الجاد والمراقبة والمحاسبة، ومن تقديم الحوافز إلى إزالة العقبات، ومن استقطاب المستثمر إلى رعايته بعد وصوله. فالمستثمر يدرك تماماً بأن الأردن بلد محاط بالتحديات، ونحن نعترف بهذه التحديات ولا نخفيها إنما نمتلك ما يؤهلنا أن ننافس على المستوى الإقليمي في جذب الاستثمار؛ لاننا نمتلك الكثير ونمتلك الإرادة. حمى الله الوطن * كاتبة متخصصة بالحوارات والسلم المجتمعي



















