+
أأ
-

غسان الشواهين يكتب ؛ الإدارة الحديثة... من سلطة الكرسي إلى حوكمة الرؤية

{title}
بلكي الإخباري

 

بقلم غسان الشواهين 

إن المعضلة التي تواجه مؤسسات اليوم ليست شح الموارد بقدر ما هي شح البصيرة الإدارية. فالسؤال لم يعد من يدير الملفات، بل من يصوغ المستقبل. أنحتاج إلى مدير يُحسن الضبط، أم إلى قائد يُحسن الإطلاق؟ المدير يضبط الإيقاع، والقائد يؤلف السمفونية.

أول مرتكزات الإدارة الرشيدة هو التخصص المطابق للوصف الوظيفي. فلا يليق أن يُوكل أمر الدائرة الهندسية إلى من لم يُجالس المخططات، ولا أن تُسند الدائرة الفنية إلى من لم تُصقل يده بالتجربة. التخصص صمام الأمان، وبه تُصان القرارات من التخمين.

ولا يكتمل التخصص بغير تعلم مستمر. فدورات العلاقات الإنسانية صارت اليوم علماً بذاته، تُعلّم فن الاستماع والإنصات وتطويق الخلاف قبل اشتعاله. ودورات القيادة الاستراتيجية تصقل الذهن على رؤية الصورة الكلية. ودورات التخصص العميق تبقي المدير في قلب الموجة لا على هامشها.

والخبرة لم تعد تُقاس بعدد السنين، بل بكثافة المواقف. وفي الميادين الحرفية والصناعية تصبح الخبرة الفنية شرط بقاء. من لم يُباشر العمل بيده، عجز عن تقدير الجهد، وعن تشخيص الخلل، وعن وزن الكلفة الحقيقية للإنجاز.

وذروة سنام كل ذلك الأمانة. فالوظيفة العامة أمانة وميثاق. لا يجوز أن تتحول إلى قنطرة للمنافع الشخصية أو سوق للمساومة. والفساد الإداري أدهى من المالي لأنه يلبس لبوس النظام. ومن استغل النفوذ لمصلحة ذاته أو قرابته، فقد نقض العهد من أساسه.

وتبرز هنا قضية تضارب المصالح، وهي جمرة تحت الرماد. لا يكفي أن يُعالج التضارب الظاهر، بل يجب اجتثاث شبهة التضارب قبل أن تستفحل. على المدير أن يُفصح عن أي مصلحة شخصية أو عائلية قد تلامس قراره، وأن يتنحى فوراً عن التصويت أو التوجيه في موضع الشبهة. فالمؤسسة لا تُبنى على الظنون، وسياج النزاهة أبلغ من ألف لائحة.

ولأننا نتحدث عن مؤسسة لا عن مضارب، فلا مكان فيها لفلان ابن عشيرة كذا، ولا لفلان المحسوب على فلان. العمل المؤسسي يلفظ الجهوية والعشائرية لفظ النواة. المعيار الوحيد هو الكفاءة، والبوصلة الوحيدة هي الاستحقاق. يتم الاختيار عبر لجان فنية متخصصة، بمسابقات نزيهة، ومعايير معلنة، وبأعلى درجات الشفافية والمساءلة. فالواسطة والمحسوبية سمّ زعاف، إذا تسلل إلى القرار أفسد البنيان، ووأد مستقبل الأجيال القادمة.

وتواجه الإدارة اليوم آفة الخوف المُقنّع بالحذر. التردد وليد قلة الخبرة وقلة الثقة، وهو ينتقل كالعدوى في الفريق. والفريق يستمد صلابته من صلابة قيادته، فإذا وهنت القيادة تهاوى الأداء حتى وإن توفرت الأدوات.

ومن هنا جاءت الحوكمة لتضع الضوابط. الحوكمة ليست أوراقاً، بل منظومة شفافية ومساءلة وتوزيع صلاحيات. فلا استئثار بقرار، ولا مركزية خانقة. المدير الذي يخشى التفويض يخاف على نفسه لا على المؤسسة، فيخنق الإبداع ويُميت المبادرة.

وفي عصر التحول الرقمي لم يعد العذر مقبولاً. الأتمتة أزالت عن الإدارة أثقال الروتين، وحولت الإجراء إلى مسار إلكتروني واضح. منصة واحدة تُظهر المؤشرات، ولوحة قيادة تُنبئ بالانحراف قبل وقوعه. من لم يركب قطار الرقمنة بقي يعدّ الأوراق بينما سبقه العالم.

والإدارة التنفيذية الحديثة لا تُدار من خلف الزجاج. يجب أن تكون في الميدان، تلتقي بالإدارة الوسطى والمشرفين، وتستمع للبيانات كما تستمع للناس. البيانات وحدها باردة، والناس وحدهم ذاتيون، فالحكمة في جمعهما.

ولأن بيئة العمل اليوم معقدة، صار لزاماً بناء ثقافة التعلم. كل مشروع درس، وكل إخفاق مادة تحسين، وكل نجاح قاعدة يُبنى عليها. المؤسسة المتعلمة لا تخاف التغيير لأنها هي التي تصنعه.

كما أن الابتكار لم يعد رفاهية. فرق تحسين العمليات، ومختبرات الأفكار، وحوافز الاقتراحات، كلها أدوات تمنع الجمود. والمدير المبدع لا يقتل الفكرة بسؤال "من قال هذا؟" بل يسأل “كيف نُجرب هذا؟”

وفي موازاة ذلك تأتي إدارة المخاطر. القائد لا ينتظر الأزمة ليستيقظ، بل يرسم سيناريوهات ويُعد خطط استمرارية. ومن لم يُحصّن مؤسسته اليوم، دفع الثمن غداً أضعافاً.

ولا ننسى رأس المال البشري. التوظيف بالكفاءة، والتقييم بالموضوعية، والتدريب بالاحتياج الفعلي. فالإنسان هو الأصل، والتقنية أداة. من قدّم الآلة على الإنسان خسر الاثنين.

وختاماً، لسنا بصدد من يملأ كرسياً، بل من يحمل رسالة. نريد مديراً متخصصاً، وقائداً رؤيوياً، أميناً لا يلتفت، وشجاعاً لا يتردد، ومفوّضاً لا يستأثر. مديراً يحترم الحوكمة، ويُتقن الأتمتة، ويقود التحول الرقمي.

فإذا اجتمعت هذه الشمائل، انتقلنا من إدارة التسيير إلى قيادة التأثير، ومن عبء الروتين إلى رحابة الإبداع، وحينها لا تُدار المؤسسة فقط، بل تُقاد إلى مصاف الريادة.