+
أأ
-

الأب عماد الطوال يكتب : حين تصبح المدرسة ملجأً

{title}
بلكي الإخباري

الأب عماد الطوال- ماركا الشمالية

في نظر كثيرين، تبدو المدرسة مساحة مخصّصة للتعلّم فقط، مكاناً تُنقل فيه المعرفة وتُقاس فيه النتائج، لكن بالنسبة لبعض الأطفال هي أكثر من ذلك بكثير، هي الثابت الوحيد والمساحة التي يجدون فيها شيئًا من الطمأنينة ووجهاً يبتسم لهم دون شروط وإحساسًا بسيطًا لكنه عميق بأنهم مرئيون، من هنا لا يعود السؤال هل يعاني بعض الطلاب؟ بل يصبح هل ننتبه بما يكفي لنرى ما لا يُقال؟

فالطفل نادراً ما يصرّح بحاجته إلى المساعدة لكنه لا يتوقف عن التعبير، يظهر ذلك في تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة في ظاهرها، حضور مبكر على غير المعتاد، أو تأخر في المغادرة دون سبب واضح، شرود دائم أو نعاس في الحصة، تعلّق لافت بالمعلم، أو تراجع مفاجئ في المستوى الدراسي دون تفسير أكاديمي، أحياناً يتجنب الحديث عن البيت وأحياناً يفرط فيه بقلق، وقد يظهر تغير مفاجئ في مظهره أو عدم اكتراثه بما كان يهتم به سابقاً، كل إشارة من هذه قد تمرّ دون انتباه، لكنها حين تتكرر فإنها ترسم ملامح قصة لا تُقال بصوت عالٍ، والمعلم الواعي لا ينتظر اكتمال هذه القصة بل يلتقط بداياتها.

في هذا السياق نفهم لماذا لا يفرح بعض الطلاب بالعطلات كما نتوقع، ليس لأنهم أكثر شغفاً بالدراسة بل لأن المدرسة تمنحهم ما قد يفتقدونه خارجها: نظاماً واضحاً ودفئاً إنسانياً، وربما وجبة منتظمة أو كلمة طيبة ينتظرونها، بالنسبة لهؤلاء العودة إلى المدرسة ليست مجرد عودة إلى الدروس بل عودة إلى شعور بالأمان، وحين تدرك المدرسة هذا المعنى فإنها تتجاوز دورها التقليدي لتصبح مساحة تبني الثقة،وتؤسس لعلاقة يشعر فيها الطالب أن هناك بالغين يمكن الاعتماد عليهم.

ولعل هذا المعنى يتجاوز ما نتصوره عن المدرسة بوصفها مكاناً للتعليم فقط، وتعود كلمة School  إلى الأصل اليوناني Scholē (σχολή)، الذي كان يعني وقت الفراغ المخصّص للتأمل والتعلّم، ثم تطوّر ليشير إلى جماعة المتعلمين، وأخيراً إلى المؤسسة التعليمية، ويُبرز هذا الأصل اللغوي أن المدرسة في جوهرها ليست مجرد مكان لنقل المعرفة بل بيئة تُنمّي التفكير والحوار وبناء الإنسان.

يسألني بعض المعلمين ماذا نفعل؟ نحن لسنا مختصين نفسيين وهذا صحيح، لكن المختص النفسي لا يراه كل يوم بينما أنت تراه، لا أحد يطلب منك أن تحلّ ما لا تستطيع حله لكن سؤالًا واحدًا في الوقت المناسب أو دور بسيط تُسنده له داخل الصف، قد يغير شيئًا لا تعرف حجمه أنت، وحين تتكرر الإشارات يصبح التنسيق مع المرشد التربوي خطوة ضرورية تماماً كما أن تجاهل ما نراه ليس خياراً، فالمعلم ليس مطالباً بأن يكون معالجاً لكنه قد يكون أول من يرى وأول من يمنح الطالب فرصة ألا يسقط.

ومن هنا لا تنتظر المدرسة الواعية حدوث المشكلة لتتحرك بل تبني بيئة تقلّل من احتمالية وقوعها، بيئة تقوم على الإصغاء وعلى فهم السلوك لا الحكم عليه، وعلى إتاحة مساحات آمنة يمكن للطالب أن يلجأ إليها دون خوف أو مساءلة، كما تمتد هذه البيئة إلى علاقة أكثر توازناً مع الأسرة، علاقة تقوم على الشراكة في الدعم لا على المحاسبة فقط، في مثل هذا المناخ يصبح الاحتواء جزءاً طبيعياً من التجربة التعليمية لا استجابة طارئة.

فحين تمرّ السنوات قد تتلاشى تفاصيل الحصص من الذاكرة ولا تبقى المعادلات أو القواعد كما كانت لكن ما يبقى حقاً هو الشعور، من انتبه، من أنصت، ومن منح لحظة أمان في وقت كان فيه ذلك يعني كل شيء، المدرسة التي تدرك هذا لا تكتفي بأن تعلّم بل تترك أثراً يمتد عميقاً في حياة طلابها، أثراً لا يُقاس بالعلامات بل بما يصنعه في الإنسان.