م.سامر حيدر المجالي يكتب :- سردية مكانية

كان أهلي طوال قرون أصحابَ "حلال"، يرحلون به في الجهات الأربع، ثم يعودون إلى ديارهم ويعيشون على ما تسيل به الضروع من خيرات.
وقد أدركتُ المتأخرين منهم على حال عجيبة، كانوا إذا أكلوا أو شربوا من ناتج تلك الضروع، عرفوا على وجه الدقة المكان الذي رعت فيه أغنامهم؛ فلكلِّ أرض نكهة في رياحينها لا يعرفها أحد غيرهم.
لقد كانوا يتذوَّقون المكان!
…
والمكان شكّلهم على أحوالٍ ومواهب، إذ عاشوا خلال أربعة قرون في مكان منسيٍّ.. كان جِنانًا، وباديةً، وصحراء تمتدُّ بعيدًا، وإرثًا إنسانيًّا عُمِّر لحِقَب، فلما وجدوا أنفسهم مهددين بالضياع، وسنَّ القوي أنيابه ليأكل الضعيف، وضعوا أعرافا وقوانين! نعم قوانين نافذة تنصف المظلوم، وتحفظ للجماعة حياتها.
صاروا جسدًا واحدًا.. لم ينتظروا دولة أن تشكِّلهم، فلما جاءت الدولة نهض بها المكان على صورة منجز اجتماعي وفَّر لها أسسًا راسخة..
…
ولم يخلُ يوم من خطر؛ إمّا نزاع داخلي وإمّا غزو من الخارج. بقي شيء مهم آنذاك: قوة تنفيذية. ولما كانت الدولة غائبة، وجب على كل فرد أن يكون بعضَ هذه القوة التنفيذية لحماية النفس والعرض والعشيرة.
فتطورت الحواسُّ المرهفة، كانوا يسمعون دبيب النمل، ويقرؤون نوايا الصخرة الصماء! إنها حياة أو موت. صار كلُّ فرد قوةَ أمن ترصد الجهات والشمس والقمر والريح، وخُلق المكان خلقًا آخرَ ممتزجًا بنفوس أهله.
وها هنا سر: مئات الأعوام من التربية الأمنية الشاملة جعلتهم أساتذة في هذا الشأن حين نهضت لهم دولة.


















