مجمل التطور تنذر لأتساع الحرب في الشرق الاوسط

- الكاتبة : كريستين حنا نصر
تتجه التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، في ظل استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران والأذرع المسلحة المرتبطة بها في المنطقة من جهة أخرى، بالتزامن مع تحركات سياسية وأمنية متسارعة لاحتواء التصعيد والتوصل إلى تفاهمات قد تفضي إلى وقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية الحيوية.
ورغم الحديث المتزايد عن اتفاقات مرتقبة لإنهاء الحرب، فإن المشهد الميداني لا يزال يحمل مؤشرات مقلقة، إذ تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة الهشاشة؛ اتفاقات يجري التفاوض عليها من جهة، وميليشيات وصواريخ وطائرات مسيرة قادرة على إعادة إشعال المواجهة في أي لحظة من جهة أخرى.
في خضم هذه التطورات، يبحث المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مقترحات تتعلق بمعالجة أزمة مضيق هرمز، بالتوازي مع مباحثات بين إيران وسلطنة عُمان والولايات المتحدة، ومساعٍ للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
ويأتي ذلك في وقت ينتظر فيه الفريق التفاوضي الإيراني قرار المجلس بشأن الاتفاق المرتقب، قبل عرضه على المرشد للموافقة والمصادقة النهائية.
ويُعد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني من أبرز المؤسسات المعنية بالقرارات الاستراتيجية والمصيرية، إذ يضم مسؤولين سياسيين وأمنيين وعسكريين، ويتولى بحث ملفات ترتبط بالأمن القومي والدفاع والبرنامج النووي وغيرها من القضايا الحساسة.
وبحسب المعطيات المتداولة، لم يُحسم حتى الآن الإطار النهائي للمفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز، في وقت يُنتظر فيه الإعلان عن النص النهائي للاتفاق المتعلق بإدارة فتح المضيق وتنظيم الملاحة فيه.
وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في مسألة إدارة حركة الملاحة والرسوم المفروضة على السفن العابرة للمضيق. إذ تسعى إيران، وفق الطرح المطروح، إلى فرض رسوم تتراوح بين 5 و7% من قيمة شحنات السفن العابرة، مقابل نسبة تبلغ نحو 3% لعُمان، في حين ترفض واشنطن فرض أي رسوم على حركة العبور في المضيق.
وهنا تبدو المشكلة أكبر من مجرد خلاف على رسوم عبور؛ فمضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات المائية في العالم، وأي تعطيل لحركة الملاحة فيه ستكون له انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
في المقابل، تواصل واشنطن إجراءاتها ضد إيران، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، مع ربط رفع هذه الإجراءات بإبرام الاتفاق النهائي ومدى التزام طهران بتعهداتها.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار محاولة أمريكية لتقليص مصادر التمويل والضغط على الاقتصاد الإيراني، في ظل مخاوف من استمرار إغلاق الممرات المائية الحيوية وانعكاساته على الاقتصاد العالمي.
كما تشمل الإجراءات الأمريكية استهداف البنوك ومكاتب الصرافة والوسطاء المرتبطين بطهران، في وقت أعلنت فيه واشنطن تفكيك شبكة من الشركات الوهمية التي مكّنت إيران، وفق الرواية الأمريكية، من الحصول على عائدات نفطية بمئات الملايين من الدولارات.
وتواجه إيران في الوقت ذاته ضغوطًا اقتصادية كبيرة، وسط ارتفاع حاد في أسعار السلع الغذائية، الأمر الذي يفاقم الأزمة الداخلية ويزيد من صعوبة إدارة تداعيات الحرب والعقوبات.
أما بالنسبة لواشنطن، فإن أحد أبرز الملفات التي تحكم أي اتفاق مرتقب يبقى مرتبطًا بالبرنامج النووي الإيراني، وسط مخاوف أمريكية من إمكانية امتلاك إيران سلاحًا نوويًا.
وفي حال نجاح الاتفاق وضمان استمرار حركة الملاحة في مضيق هرمز دون إغلاقات، فإن ذلك قد ينعكس على أسعار الطاقة عالميًا، إلا أن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: هل تستطيع الأطراف الحفاظ على الاتفاق في ظل تعدد القوى المسلحة وتشابك ساحات المواجهة؟
وفي تطور لافت، وقعت السعودية، أمس الجمعة، اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وتركيا، في إطار مساعي الدول الثلاث لتعزيز التعاون الأمني والدفاعي في ظل تصاعد التوترات في الخليج والشرق الأوسط.
وتنص الاتفاقية، بحسب ما ورد، على التصدي لأي هجوم يستهدف الدول الثلاث، وتقديم الدعم المتبادل في المجال الدفاعي والعسكري.
لكن الاتفاق لم يمر دون رد إيراني، إذ قلل مسؤول أمني إيراني من أهمية المعاهدات الأمنية السعودية، معتبرًا أنها لن تمنح الرياض الضمانات التي تبحث عنها.
وقال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي إن الاتفاق مع تركيا وباكستان "لن يجلب للسعوديين الأمن"، معتبرًا أن على السعودية مراجعة سياساتها بدل الاعتماد على ضمانات خارجية.
وتحمل هذه الرسالة دلالة سياسية واضحة، مفادها أن طهران لا تبدو مستعدة للتعامل مع الاتفاق الثلاثي باعتباره عامل ردع كافيًا، في وقت تستمر فيه المواجهة غير المباشرة عبر أذرعها المنتشرة في عدد من ساحات المنطقة.
يبقى العراق أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الإقليمي، خصوصًا مع استمرار وجود فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، واستخدام الأراضي العراقية في إطلاق مسيرات وهجمات باتجاه دول أخرى.
وكانت السعودية قد تصدت مؤخرًا لمسيرات انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت نفطية، فيما تم استهداف مواقع في شمال وجنوب أراضي المملكة الأردنية الهاشمية بهجمات انطلقت أيضًا من العراق.
هذه التطورات دفعت السعودية والأردن، وفق المعطيات الواردة، إلى توجيه تحذير مشترك من إمكانية استهداف الميليشيات داخل الأراضي العراقية في حال استمرار الهجمات.
وفي الوقت نفسه، تحاول الحكومة العراقية تأكيد التزامها بحماية سيادة الدولة ومنع استخدام أراضيها لتنفيذ اعتداءات على دول المنطقة.
وفي هذا السياق، التقى علي الزيدي، أمس الجمعة، رئيس الاستخبارات العامة السعودي خالد بن علي الحميدان، لبحث تعزيز التنسيق والتعاون بين البلدين في ظل التطورات الأمنية المتسارعة.
وأكد الجانب العراقي، وفق ما ورد، التزام الحكومة بحماية السيادة العراقية وعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية لتوجيه اعتداءات على دول الإقليم.
إلا أن التحدي الأكبر أمام بغداد يبقى في قدرتها على حصر السلاح بيد الدولة، خصوصًا في ظل استمرار نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، وما يرافق ذلك من تعقيدات أمنية واقتصادية وسياسية.
اليمن.. جبهة أخرى قابلة للاشتعال
ولا تبدو الساحة اليمنية بعيدة عن احتمالات التصعيد.
فمع استمرار التوتر بين السعودية والحوثيين، نفذ الحوثيون هجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، من بينها استهداف معسكر "صحن الجن" في محافظة مأرب، في وقت تتواصل فيه التحركات العسكرية في اليمن.
وتشير التطورات إلى إمكانية استمرار التصعيد، خصوصًا مع استمرار التوتر في مأرب وحضرموت، واستهداف البنية التحتية والسفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن.
وهنا يظهر خطر آخر يتجاوز حدود الحرب اليمنية نفسها، إذ إن أي تصعيد واسع قد يهدد حركة الملاحة الدولية، ويعيد طرح مخاوف إغلاق أو تعطيل مضيق باب المندب، بالتزامن مع التوتر حول مضيق هرمز.
وفي حال اجتمعت أزمات المضائق الحيوية في المنطقة، فإن التداعيات لن تقتصر على دول الشرق الأوسط، بل قد تمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.
المشهد الإقليمي اليوم يبدو وكأنه يقف أمام معادلة شديدة الخطورة مفاوضات واتفاقات تسعى إلى وقف الحرب من جهة، وقوى مسلحة متعددة قادرة على تغيير مسار الأحداث بضربة واحدة من جهة أخرى.
فحتى لو نجحت الأطراف السياسية في الوصول إلى تفاهمات بشأن وقف إطلاق النار أو فتح مضيق هرمز، فإن استمرار الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية أو اليمنية قد يؤدي إلى انهيار هذه التفاهمات والعودة مجددًا إلى التصعيد.
وهذا يجعل مستقبل الاتفاقات المرتقبة مرتبطًا ليس فقط بقرارات الحكومات، وإنما أيضًا بقدرة الدول على ضبط القوى المسلحة الموجودة على أراضيها، ومنع تحويل أراضيها إلى منصات لاستهداف دول أخرى.
فالشرق الأوسط لا يواجه اليوم أزمة واحدة، وإنما شبكة متداخلة من الأزمات تمتد من إيران والعراق إلى الخليج واليمن والبحر الأحمر، وتتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة والملاحة الدولية.
وبينما تتحرك العواصم نحو طاولة التفاوض، تبقى المنطقة أمام احتمالين متناقضين: اتفاق يفتح الباب أمام تهدئة واسعة، أو حادث أمني واحد يعيد إشعال المواجهة ويدفع المنطقة مجددًا نحو حرب أوسع وأكثر تعقيدًا.
وفي ظل هذا المشهد، لا يبدو السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هناك اتفاقات تُطبخ خلف الكواليس، بل هل تستطيع هذه الاتفاقات الصمود أمام أول اختبار ميداني؟



















