رئيس البلدية ام المدير التنفيذي

كتب الدكتور خالد الحريرات
لمن الكلمة الفصل، ومن صاحب القرار في إدارة البلديات؟ هل هو رئيس البلدية ومجلسها المنتخب ام المدير التنفيذي المعيّن؟ ولكن قبل الانحياز الى إجابة بعينها، علينا مراجعة صيغة السؤال ذاته، وهل هي مناسبة للفكرة التي نريد الوصول اليها لاتخاذ موقف بالتأييد او الرفض لاتجاه دون آخر؟ ام ان السؤال تسطيح لتفاصيل أكثر عمقا مما تبدو عليه؟ وهذا يقودنا الى ضرورة التفرقة بين رؤية الخدمات والتنمية ووضعها موضع التنفيذ من جهة، وبين المتابعة والرقابة على تلك المسارات من جهة اخرى، قبل الدخول في إجابات قد تكون صحيحة ولكنها لأسئلة مغلوطة.
يجري الان حراك قانوني حول هذا التباين والتداخل في الاختصاصات داخل أروقة مجلس النواب لدراسة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، وتثور هذه الجزئية في إدارة البلديات على راس القائمة المزدحمة بالتفاصيل في الشأن المحلي، ولعل هذه المرحلة تمثل تطورا طبيعيا لمراجعة آلية عمل مجالس الحاكمية في البلديات في المئوية الثانية من عمر الدولة الأردنية، ربما كانت التشريعات السابقة مناسبة للأوقات الماضية، لكن النمو السكاني الطبيعي والهجرات غير الطبيعية التي تعرضت لها المدن والارياف الأردنية تفرض رؤية جديدة، واذا أضفنا عوامل التطور في أنظمة البناء وما يرتبط بها من خدمات الطاقة والمياه والصرف الصحي لتلائم الزيادة السكانية الطارئة التي لا تعرف الصبر، تظهر درجة جديدة من الإلحاح في الإستجابة لا تحتمل الانتظار، ومع تزايد اعداد المركبات على الشوارع وما تخلقه من اختناقات مرورية وتحديات بيئية فان المهمة تزداد تعقيدا.
في مشروع القانون الجديد نلاحظ اختفاء عبارة: «رئيس البلدية هو المسؤول الاول في البلدية ومرجع المدير» التي تتصدر المادة (17) من القانون الحالي، وقد تم ترحيل مهام وصلاحيات الرئيس الواردة فيها الى المادة (8) المقترحة بدون صريح النص على انه المسؤول الأول وانه مرجع للمدير، ويمكن فهم تخليص المدير التنفيذي للبلدية من تبعة هذا الارتباط كاعتراف من المشرع بتفرد الطبيعة الفنية لعمل المدير التي تتصادم مع ذلك الـتـأكيد الوارد في النص الحالي، ويمثل هذا التوجه انحيازا واضحا للاحتراف الفني الذي يميز عمل المدير القائم على الدراية والمحكوم بالتنفيذ عن المطلوب من الرئيس المقتصر على الرقابة والمتابعة، فمحاسبة من ينفّذ تختلف عن مواجهة من يتابع، وإنجاز العمل يُحسب على المدير تفصيلا قبل ان يكون جملة، بينما يخضع الرئيس لذات المعادلة ولكن بالمعكوس.
الخدمة العامة ليست وجاهة وإنما مسؤولية، ولطالما كانت عقدة الرجل الأول جزء من الثقافة العربية، وهذا راجع الى رواسب عميقة في الوعي تميل الى تمجيد شخص وتنسب له جهد غيره، لكن مع نشأة الدولة وظهور العمل المؤسسي تسرب الى القبول الاجتماعي مفاهيم حديثة تنهض على أهمية الفعل الجماعي والعمل بروح الفريق، وبالرغم من بطء توطنها في بيئة العمل في مجتمعاتنا، الا انها تترسخ بحكم الحاجة العملية والضرورات الفنية التي لا يمكن فيها لشخص تحقيق إنجاز دون مساعدة مختصين بذلك العمل.
إختيار ممثلين للأفراد في الانتخابات البلدية لتقديم الخدمات وتنفيذ المشاريع المحلية ركيزة أساسية في ترسيخ الديمقراطية والحكم الرشيد، لكن جودة الخدمات وعدالة توزيعها تتطلب معرفة فنية وتقنية لدى العناصر البشرية التي تنفذها قد تقصر عنها نتائج الانتخابات البلدية، وقد لا يكون لدى المنتَخَبين إلمام فني ومهني كاف في مسائل تدخل في صميم المرافق والخدمات التي يحتاجها الافراد، ولاحداث التوازن بين الإرادة الشعبية والطبيعة الفنية للخدمات التي تقدمها البلديات يغدو من الضروري التأسيس لفصل التنفيذ الفني الدقيق عن المتابعة والرقابة، ولعله ليس من قبيل المصادفة تميّز الخدمات البلدية في العاصمة والعقبة عن باقي البلديات، وهنا لا يختلف كثيرون على ان واحدا من اهم اسبابها يرجع الى تعيين اداريين وفنيين متحررين من الضغوط والحسابات الانتخابية في إدارة هاتين المدينتين.
جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانوني.
















