+
أأ
-

الأب عماد الطوال يكتب : اقبلني كما أنا… فالمواهب تنتظر من يكتشفها

{title}
بلكي الإخباري

 

الأب عماد الطوال- ماركا الشمالية

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يغيّره بل إلى من يراه على حقيقته ويؤمن بما يمكن أن يكونه، وفي إنجاز لين المجالي الطالبة التي وصلت إلى الثانوية العامة وحققت نتيجة لافتة ما يدعو إلى الفرح والفخر والتهنئة، فنجاحها لحظة جميلة تستحق أن نحتفي بها لأنها تقول لنا إن الإنسان حين يجد من يرى فيه القدرة ويمنحه الفرصة يستطيع أن يصل إلى أماكن قد لا يتوقعها الآخرون.

وفرحتنا بلين لا ينبغي أن تتوقف عند إنجازها بل أن تدفعنا إلى النظر أبعد من النتيجة نفسها، فما يجعل قصتها أعمق من مجرد نجاح دراسي هو أنها تفتح أمامنا سؤالًا تربويًا وإنسانيًا، ماذا يحدث عندما ننظر إلى الإنسان من خلال إمكاناته لا من خلال ما نعتقد أنه لا يستطيع فعله؟ فهناك جوانب جميلة في الإنسان لا تظهر من أول لقاء وقدرات لا تُكتشف بالسرعة التي نحكم بها على الآخرين ومواهب قد تبقى خافتة ما لم تجد من يمنحها المساحة والوقت والفرصة لتُعلن عن نفسها.

ولعل هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما نتحدث عن الأشخاص ذوي الإعاقة واصحاب متلازمة داون، إذ قد تبدأ نظرتنا إليهم أحيانًا من احتياجاتهم قبل أن نرى قدراتهم، فنركز على ما يحتاجونه من مساعدة وما قد يصعب عليهم وما يتطلب منا دعمًا إضافيًا، ثم ننسى أن وراء هذه الاحتياجات إنسانًا لديه طموح وميول ومواهب وقدرات يمكن أن تنمو وتظهر إذا وجد البيئة التي تساعده على ذلك، والمشكلة ليست في أن نرى احتياجات الإنسان فهذا جزء من مسؤوليتنا، وإنما في أن تصبح احتياجاته هي الصورة الوحيدة التي نراه من خلالها.

كثيرًا ما يبدأ حكمنا من زاوية الاختلاف، فنلاحظ أولًا ما يحتاجه الطالب وما يصعب عليه ثم نبني توقعاتنا انطلاقًا من ذلك، ومع مرور الوقت قد تتحول هذه النظرة إلى حدود غير معلنة نضعها أمامه، لا لأنه عاجز عن تجاوزها بل لأننا لم نتوقع منه أصلًا أن يحاول، وهنا ربما نحتاج إلى أن نغيّر السؤال بدل أن نسأل ماذا يستطيع أن يفعل؟ لماذا لا نسأل ماذا يمكن أن يحقق إذا وجد من يؤمن به، ويمنحه الفرصة التي تساعده على إظهار قدراته؟

وهذا الإيمان لا يبقى مجرد كلمة جميلة نقولها للطالب، بل يظهر في الطريقة التي نتعامل بها معه وفي البيئة التي نوفرها له، فالمدرسة ليست مكانًا لاكتساب المعرفة فقط بل بيئة يمكن أن تفتح نافذة لموهبة لم نكن نراها أو أن تغلقها دون أن نشعر، والمعلم ليس مجرد ناقل للمعلومة بل قد يكون الشخص الذي يرى في الطالب شيئًا لم يره أحد من قبل، فيمنحه الثقة ويبحث معه عن الطريقة التي تناسبه ليعبّر عن قدراته، فقد يحتاج طالب إلى وقت أطول أو إلى طريقة مختلفة في التعلم أو إلى دعم متخصص يرافقه في بعض المراحل، وكل ذلك ليس امتيازًا يُمنح له بل جزء من مسؤولية تربوية هدفها أن نمنحه فرصة حقيقية ليظهر أفضل ما لديه، وحين تلتقي هذه النظرة الإنسانية مع بيئة داعمة وفرص حقيقية يصبح الإيمان بالقدرة شيئًا يمكن أن يتحول إلى إنجاز.

من هنا فإن قصة لين لا تدعونا إلى الاحتفاء بإنجازها فقط بل إلى أن نعيد النظر في الطريقة التي نرى بها طلابنا جميعًا، كم طالبًا بيننا يحمل موهبة لم نكتشفها بعد؟ وكم مرة حكمنا على قدرة طالب من تجربة واحدة؟ وكم مرة انشغلنا بما ينقصه حتى نسينا أن نسأل عمّا يميّزه؟ وكم مرة رأينا احتياجه بوضوح لكننا لم نمنح قدرته القدر نفسه من الانتباه؟

ربما يكون ما يحتاجه بعض أبنائنا ليس أن نضع لهم سقفًا أقل بل أن نمنحهم فرصة أفضل وأن نبحث عن الطريقة التي تجعل قدراتهم قادرة على الظهور، فالتربية الحقيقية لا تعني أن نعامل الجميع بالطريقة نفسها بل أن نعرف ما يحتاجه كل إنسان حتى يحصل على فرصة عادلة ليقدم أفضل ما لديه.

أن تقبل الإنسان كما هو لا يعني أن تحدد له ما يمكن أن يكونه بل أن تبدأ من حيث هو ثم تساعده على أن يكتشف إلى أين يستطيع أن يصل، وأن تعرف احتياجاته لا يعني أن تختصره فيها وأن تساعده لا يعني أن تفعل كل شيء مكانه بل أن تقف إلى جانبه وتمنحه ما يحتاج إليه ثم تترك له مساحة المحاولة والاكتشاف والنجاح، حتى يأتي اليوم الذي يقول فيه بنفسه أنا أستطيع.

لذلك عندما يدخل طالب إلى صفنا لا نريد أن نرى فقط ما يحتاجه بل نريد أن نرى أيضًا ما يمكن أن يقدمه، لا نريد أن نسأل فقط أين تكمن صعوبته؟ بل أين تكمن قوته؟ وكيف نستطيع أن نساعده على الوصول إليها؟

وقصة لين تستحق أن تُروى بهذه الروح، روح الفرح بإنجازها والفخر بما وصلت إليه والامتنان لكل من آمن بها وساندها والأمل بأن تكون قصتها تذكيرًا لنا بأن وراء كل إنسان قدرات قد لا تظهر سريعًا لكنها موجودة وتنتظر من يراها ويؤمن بها ويفتح لها الطريق.

لين مبارك لكِ هذا الإنجاز نفرح بكِ وبما وصلتِ إليه ونأمل أن يكون نجاحكِ مصدر إلهام لكل من يحتاج إلى فرصة ولكل من ينتظر أن يراه أحد قبل أن يحكم عليه، فالمواهب لا تحتاج دائمًا إلى من يصنعها أحيانًا تحتاج فقط إلى من يكتشفها.