منى الغانم تكتب:"المُهَرِّج الأحمَق" ما زال حياً ويتقاضى راتباً بالدولار!

مباركٌ لنا..المُهَرِّج الأحمَق الأَبله ما زال حياً ويتقاضى راتبهُ بالدولار!
إذا كنتَ تظن عزيزي القارئ أن شخصية المُهرّج الهزلية، ذلك الأبله البائس الفقير والحزين الذي كان يرتدي قبعة بأجراس وملابس مخروقة وبالية ويرقص ويغني ليتفادى المقصلة، قد انقرضت مع زوال الحكايات القديمة ومسرحيات شكسبير، فدعني أهنئك على براءتك!
يا سيدي إنَّ المهرج لم يمُت، بل خلع ملابسه الملونة، وارتدى بدلة رسمية مصممة على أحدث طراز من الماركات العالمية ، وجلس خلف شاشات التلفاز أو منصات فيسبوك وتيك توك ليُقنعنا أنه صانع محتوى ساخر أو مؤثر أو حتى مقدم برامج سياسية. والحقيقة أن هذا الكائن، الذي ندفع له اليوم من وقتنا وأعصابنا، يقوم بالضبط بنفس المهمة القديمة: يمرر لنا الحقائق المُرة المغلفة بالنكات في أوقات الأزمات لأننا – مثل العصور الوسطى تماماً – لا نستطيع تحمل الحقيقة إلا إذا جاءت على شكل "إيفيه" مضحك، خفيفة لطيفة دون أن نشعر بها مع أننا ندركها تماما!
قديماً، كان المهرج هو الوحيد الذي يملك "حصانة" ليقول ما يشاء دون أن يطير رأسه، ببساطة لأن المجتمع رفعه من حسابات الجدية واعتبر كلامه مجرد "هراء أحمق"!
أما اليوم فيمارس نجوم الكوميديا السياسية أو المجتمعية نفس اللعبة؛ يمررون الرسائل عن طريق نقد الواقع، ويفككون الأكاذيب، ويستخدمون الفكاهة كدرع لحمايتهم وتمرير رسائلهم ونحن نسخر ونضحك معهم ونحن بكامل قوانا العقلية، إنها الكوميديا السوداء مرة اخرى!
المفارقة الكبرى في عصرنا، أن المهرج لم يعد يكتفي بالوقوف في زاوية ضيقة من البلدة كالسابق بل أصبح نجما لامعا يصفق له جمهورٌ من المُغَيَّبين، بينما بعض من نراهم نبلاء في قاعة الحفل يرقصون غافلين. باختصار يا سادة نحن لم نتطور كثيراً ما زلنا نقبع في عقلية العصور الوسطى ونحتاج لشخص يرتدي قناع البساطة والحُمق ليفهمنا ما يدور حولنا بلغة الشارع لكن الفرق الوحيد أن مهرج اليوم يملك "فلاتر" لتحسين الصورة الواقعية، ويمارس علينا نوعا من التخفيف الهزلي، ونحن من يصفق له مجاناً!!
المهرج المعاصر ليس مجرد وسيلة للتسلية أو الترفيه بل هو أداة المجتمع ليتنفس الحرية، والمرآة التي نرى فيها عيوبنا بإطار ناقد ساخر دون أن نشعر بالإهانة.. لأننا ببساطة، تحولنا لشعوب تداوي جراحها بالضحك بلا وعي!



















