+
أأ
-

المحامي طارق عارف الحياصات هل يملك مجلس النقابة ما لا يملكه المشرع؟

{title}
بلكي الإخباري

 

ليس أخطر على دولة القانون من أن تتحول الشروط التشريعية الملزمة إلى مجرد توصيات قابلة للتجاوز بكتاب إداري، أو أن تُبدل أحكام القانون بسياسة مؤسسية غير مستندة إلى نص قانوني، وهذا بالضبط هو الإشكال الذي يثيره الكتاب الصادر عن نقابة المحامين النظاميين، والمتضمن السماح لأبناء الأردنيات بالانتساب إلى النقابة والالتحاق بمعهد تدريب المحامين المتدربين بعد اجتياز الامتحان التحريري.

المسألة هنا ليست موقفاً من أبناء الأردنيات، ولا جدالاً سياسياً حول حقوقهم، ولا تقليلاً من أي اعتبارات اجتماعية أو إنسانية أو وطنية.

المسألة أبسط وأخطر: هل يجوز قانوناً لمجلس النقابة، أو لأي جهة إدارية، أن تفتح باب مهنة منظمة بقانون خاص خلافاً للشروط التي فرضها القانون نفسه؟ فإذا كان الجواب نعم، فلماذا وُضع القانون أصلاً؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا نبحث عن شرعية ما لا سند له إلا كتاب؟

القاعدة الأولى التي لا يجوز القفز عنها أن مهنة المحاماة ليست مرفقاً مفتوحاً للتقدير المطلق، بل مهنة منظمة بقانون خاص. 

وهذا القانون، أي قانون نقابة المحامين النظاميين رقم 11 لسنة 1972، لم يترك شرط التسجيل معوماً أو مرناً أو خاضعاً لاجتهاد مجلس النقابة. 

بل جاء النص صريحاً في المادة 8 منه، التي تشترط فيمن يطلب تسجيله في سجل المحامين أن يكون متمتعاً بالجنسية الأردنية منذ عشر سنوات على الأقل، مع تنظيم خاص ومحدود لمن كان يحمل جنسية عربية قبل حصوله على الجنسية الأردنية. 

ثم جاءت المادة 25 لتؤكد، في موضوع التسجيل في سجل المحامين المتدربين، أن الطلب يجب أن يكون مستوفياً لشروط المادة 8، باستثناء شرط إتمام التدريب فقط. 

ولم يكتف المشرع بذلك، بل دعّم النظام الداخلي لنقابة المحامين لسنة 1966 هذا المعنى، حيث اشترط في المادة 4 أن يكون طالب التسجيل في سجل المتدربين أردني الجنسية.

أمام هذه النصوص، لا يعود السؤال: هل نوافق أو لا نوافق؟ بل يصبح السؤال: أين النص الذي ألغى هذا الشرط أو استثنى أبناء الأردنيات منه؟ 

وحتى الآن، فإن النصوص التي ظهرت من مؤيدي محتوى كتاب النقابة لا تجيب عن هذا السؤال إلا بالصمت، فلا قانون العمل، ولا المبادئ العامة المتعلقة بالتمكين، ولا الخطاب الإداري العام، ولا الاعتبارات السياسية، يصلح أي منها لأن تحل محل نص خاص ينظم شروط دخول مهنة بعينها، فالمهن المنظمة لا تُدار بالمزاج، ولا بالتعاطف، ولا بالرغبة في مواكبة المزاج العام، وإنما بالقانون النافذ.

ولذلك فإن أي محاولة لتقديم الكتاب على أنه "تطور طبيعي" أو "قراءة مرنة" أو "تكيّف مع السياسات العامة" تصطدم بحقيقة بسيطة لا سبيل إلى تجاوزها ذلك أن التنظيم الإداري لا يملك تعديل القاعدة التشريعية.

ومهما بلغت صلاحيات مجلس النقابة في إدارة شؤون التدريب أو الامتحانات أو التنظيم الداخلي، فإن هذه الصلاحيات تظل – قانوناً – صلاحيّات تنفيذية لا تأسيسية، فمجلس النقابة يستطيع أن ينظم الامتحان، وأن يحدد آلياته، وأن يدير التدريب، وأن يضع التعليمات اللازمة له، لكنه لا يملك أن يقرر أن من لا يشمله النص سيعامل معاملة من يشمله، وهنا لا نكون أمام تنظيم، بل أمام استحداث حكم جديد بغير الطريق التشريعي.

ومن هنا تبرز خطورة المسألة، فحين يصدر كتاب يقول، بعبارة صريحة، إنه "يسمح لأبناء الأردنيات بالانتساب إلى النقابة والالتحاق بمعهد التدريب"، فإن هذا ليس مجرد تعبير إنشائي بريء، بل إن ذلك يعتبر إعلان عن أثر قانوني مزعوم لا يجد -وفق النصوص- سنداً صريحاً في قانون النقابة.

وحين يتجاوز الأمر مرحلة الكتاب إلى قبول فعلي للتسجيل، ووجود متدربين، بل ووجود من يزاول المهنة فعلاً، فالمسألة تنتقل من دائرة الجدل النظري إلى دائرة الوقائع القانونية المكتملة، وعندها لا يعود الحديث عن "كتاب" بل عن قرارات قبول وتسجيل ونقل في السجلات، وهي قرارات تمس صلب النظام القانوني للمهنة.

ونشير إلى أن الاجتهاد القضائي الأردني ليس غامضاً في هذا الباب. 

فقد أكدت محكمة العدل العليا في القرار رقم 147 لسنة 2013 أن رفض التسجيل في سجل المحامين المتدربين يكون متفقاً مع القانون إذا لم يثبت توافر شرط الجنسية كما فرضته أحكام قانون النقابة.

وأكدت المحكمة الإدارية في الحكم رقم 3 لسنة 2019 أن مجلس النقابة لا يملك تطبيق النصوص جزافاً أو انتقائياً، وأن الخطأ في إسناد القرار إلى النص غير الواجب التطبيق يجعل القرار مخالفاً للقانون ومستوجب الإلغاء. 

وفحوى هذه الأحكام واضح، ويقضي بأن سلطة النقابة في التسجيل ليست سلطة خلق شروط أو إهدارها، وإنما سلطة تطبيقها تطبيقاً صحيحاً.

وإذا كان البعض يحاول الاحتماء بفكرة "السلطة التقديرية" لمجلس النقابة، فهنا يقع الخلط المقصود أو غير المقصود. 

نعم، للمجلس سلطة تقديرية في بعض جوانب التحقق من الشروط أو تقدير الملاءمة ضمن المساحة التي رسمها القانون. 

لكن هذه السلطة ليست تصريحاً بالخروج على النص، فالقضاء نفسه – كما يظهر في الحكم رقم 46 لسنة 2024 للمحكمة الإدارية العليا – لم يتعامل مع السلطة التقديرية بوصفها تفويضاً مفتوحاً، وإنما باعتبارها سلطة خاضعة دائماً لمبدأ المشروعية، وبعبارة أخرى فإن السلطة التقديرية تقف عند باب النص، لا تتجاوزه.

ويبقى السؤال الذي قد يطرحه كثيرون؛ إذا كان هذا الكتاب غير مشروع في مضمونه، فهل هو بحد ذاته قرار قابل للطعن؟

والجواب هنا ينبغي أن يكون دقيقاً لا انفعالياً، فالاجتهاد الإداري الأردني يميز بوضوح بين الكتاب الذي لا يعدو رأياً أو تبليغاً أو تفسيراً، وبين القرار الإداري النهائي الذي يُنشئ أو يعدل أو يلغي مركزاً قانونياً.

لهذا قررت محكمة العدل العليا في الحكم رقم 111 لسنة 1990 أن الكتاب التفسيري لا يعد قراراً إدارياً نهائياً، وكررت في الحكم رقم 129 لسنة 2009 أن الكتاب الصادر لمجرد إبداء الرأي أو الإجراء لا يقبل الطعن. 

وذهبت المحكمة الإدارية في أكثر من حكم إلى أن العبرة ليست بعنوان الورقة بل بما إذا كانت قد رتبت أثراً قانونياً مباشراً.

وعليه، فمن الخطأ القانوني القول إن كل كتاب صادر عن النقابة هو بالضرورة قرار قابل للطعن، ولعل الخطأ الأكبر في المقابل هو التظاهر بأن الكتاب لا قيمة له إطلاقاً، بينما الواقع العملي يدل على أنه استُخدم لفتح باب التسجيل فعلاً. 

فإذا كان هذا الكتاب قد تُرجم إلى قرارات قبول فردية، أو كان كاشفاً عن قرار نهائي لمجلس النقابة اعتمد هذا النهج، فإن محل الطعن الحقيقي لا يكون الورقة بوصفها ورقة، بل في القرارات التي نتجت وظهرت إلى حيز الوجود استناداً إليها. 

وهذا هو الفارق الذي ينبغي فهمه جيداً، فقد لا يكون الكتاب، منفرداً، هو القرار الإداري النهائي؛ لكنه قد يكون الدليل الأوضح على وجود قرار إداري أخطر منه.

وهنا تبرز زاوية أشد حساسية، ومناطها سؤال عميق عما إذا كانت النقابة قد قبلت بالفعل تسجيل أشخاص لا تنطبق عليهم – وفق ظاهر               النصوص – شروط القانون، فما الذي نحن بصدده؟ 

واقعياً، نحن أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما أن النقابة استندت إلى قرار تشريعي أو نص خاص، وعندها يجب إظهاره بوضوح للرأي العام والوسط القانوني.

وإما أنها تصرفت بغير سند تشريعي كافٍ، وعندها نكون أمام انحراف عن مبدأ المشروعية، لا يجمله عنوان "تمكين" ولا تستره لغة إدارية رخوة.

بل إن المسألة لا تقف عند حدود القبول فحسب، وإنما تمتد إلى السلامة القانونية للمراكز التي أنشئت لاحقاً. فإذا انتقل المسجلون إلى التدريب، ثم إلى المزاولة، ثم بدأوا يمثلون موكلين أمام القضاء، فنحن أمام سلسلة من الآثار القانونية المتولدة عن قرار أولي مشكوك في سنده. 

وهذا يفتح نقاشاً بالغ الخطورة حول مدى استقرار هذه الأوضاع، وحدود إمكان مراجعتها، وما إذا كانت بعض المراكز قد تحصنت بمرور الوقت أو اكتساب الحقوق، وهو ما ناقشته بعض الاجتهادات في سياقات قريبة. لكن هذا النقاش – على أهميته – لا يغير الحقيقة الأولى، وهي أن الحق المكتسب لا ينشأ ابتداءً على فرضية أن النص لا قيمة له.

إن الدفاع عن سيادة القانون يقتضي قول الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تُقال. 

وإذا كانت الدولة تريد – من خلال تشريع صريح – إعادة تنظيم أوضاع أبناء الأردنيات في بعض المهن المنظمة، فهذا أمر يُبحث في مجلس الأمة ويُحسم بتعديل القانون. 

أما أن تُنتزع هذه النتيجة من كتاب، أو تُمارس فعلياً من خلال قرارات تسجيل، ثم يُطلب من الجميع لاحقاً التسليم بالأمر الواقع، فذلك ليس إصلاحاً قانونياً، بل استبدال للتشريع بالإدارة.

والأخطر من ذلك أن هذا المسلك، إذا قُبل في مهنة المحاماة، فلن يوجد ما يمنع تكراره في غيرها، فكل مجلس نقابة أو هيئة تنظيمية يمكنه عندئذ أن يعلن – بكتاب أو تعميم أو سياسة قبول – ما يراه مناسباً، ثم يترك للقانون مهمة اللحاق بالأمر الواقع، وهذه وصفة مثالية لتفريغ النصوص من مضمونها، وإضعاف اليقين القانوني، وتحويل الشروط التشريعية إلى اقتراحات قابلة للتفاوض.

لهذا، فإن النقد هنا ليس موجهاً لفئة اجتماعية، بل لمقاربة قانونية خطرة.

وإذا كان ثمّة حق يُراد تكريسه، فطريقه التعديل التشريعي الواضح لا الاجتهاد الإداري الملتبس. 

وإذا كان ثمّة قرار فعلي بقبول تسجيل أبناء الأردنيات، فمكان النقاش لم يعد في الهامش، بل في صلب المشروعية، فمن أين استمد مجلس النقابة سلطته لتجاوز شرط قرره القانون؟

وختاماً؛ فإن حماية القانون لا تكون بالصمت على تجاوزه، ولا بتلطيف المخالفة بعبارات عامة. بل تكون بالتمسك بالمبدأ البسيط الذي قامت عليه كل دولة قانون، فلا أحد، أياً كانت مكانته أو حسن نيته، يملك أن يضع نفسه فوق النص.