+
أأ
-

م. سعيد المصري : الشرق الأوسط وإعادة رسم خرائط القوة

{title}
بلكي الإخباري

* من ممرات التجارة إلى تحالفات الردع

 

عندما كتبت قبل أشهر عن «السعودية وإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط: من ممرات التجارة إلى هندسة النفوذ»، كان المشهد الإقليمي يتحرك باتجاه إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة من خلال الموانئ والسكك الحديدية وممرات الطاقة وكوابل البيانات وسلاسل الإمداد. وكانت الفكرة الأساسية أن من يستطيع التأثير في حركة التجارة والطاقة والبيانات يستطيع أن يصنع جزءاً مهماً من معادلة النفوذ الإقليمي.

 

لكن التطورات التي أعقبت الحرب على إيران، وما رافقها من تغير في موازين القوة واستنزاف للقدرات الإيرانية وشبكة حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله، أضافت طبقة جديدة إلى هذا المشهد. فلم تعد المسألة تتعلق فقط بمن يملك الممر الاقتصادي أو يستفيد منه، بل بمن يستطيع حماية استدامته، ومن يمتلك القوة السياسية والأمنية القادرة على حماية مصالحه في بيئة إقليمية أصبحت أكثر اضطراباً.

 

وهكذا بدأت خرائط القوة تتداخل بصورة متزايدة مع خرائط التجارة.

 

لقد كشفت الحرب أن النظام الإقليمي الذي استقر لعقود على حضور عسكري أميركي واسع، وعلى توازن إيراني–إسرائيلي غير مباشر كانت معظم مواجهاته تجري في ساحات دول أخرى، يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة. كما دفعت دول المنطقة إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن ذاته، وفي مدى كفاية الاعتماد على المظلات الخارجية لحماية مصالحها الوطنية والاقتصادية.

 

وفي هذا السياق يكتسب اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أهمية تتجاوز الصيغة المعلنة للدفاع المشترك عن الدول الأعضاء. فهذه الصيغة، وإن كان جوهرها الأمني يقوم على الردع وحماية الدول المشاركة، فإن دلالتها الاستراتيجية الأوسع ترتبط أيضاً بحماية المصالح الحيوية التي تقوم عليها قوة هذه الدول، وفي مقدمتها خطوط التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد والممرات البرية والبحرية التي يجري تشكيلها بين الخليج وتركيا وآسيا الوسطى وجنوب آسيا وما وراءها.

 

وهنا تبرز أهمية الجغرافيا التي تجمع الدول الثلاث. فالسعودية تقع في قلب منظومة الطاقة والتجارة بين الخليج والبحر الأحمر، وتركيا تمثل عقدة اتصال طبيعية بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، بينما تشكل باكستان بوابة بين الخليج وجنوب آسيا والمحيط الهندي.

 

وبالتالي فإن الجمع بين هذه المواقع ضمن إطار دفاعي مشترك يخلق، إلى جانب وظيفته العسكرية المباشرة، مظلة استراتيجية محتملة لحماية فضاء واسع من طرق التجارة والموانئ وممرات الطاقة وسلاسل الإمداد التي ما زال بعضها في طور التشكل.

 

كما أن الدول الثلاث تجمع عناصر قوة متكاملة نسبياً: السعودية بثقلها الاقتصادي والمالي وموقعها المركزي في منظومة الطاقة العالمية، وتركيا بقدراتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية وموقعها الجغرافي، وباكستان بثقلها العسكري والديموغرافي وموقعها الاستراتيجي، فضلاً عن امتلاكها السلاح النووي.

 

ومن هنا يمكن قراءة اتفاق مكة باعتباره تعبيراً عن تحول أوسع في مفهوم الأمن الإقليمي. فالدولة لم تعد تدافع عن حدودها الإقليمية فقط، وإنما أصبحت مطالبة بحماية شبكة المصالح الممتدة خارج حدودها، من الموانئ والمضائق إلى السكك الحديدية وخطوط الطاقة والبيانات وسلاسل الإمداد. وكلما اتسعت المصالح الاقتصادية للدول، اتسع معها مفهوم المجال الذي ينبغي تأمينه وحمايته.

 

لكن بالتوازي مع هذا المسار الأمني، يجري تشكل مسار آخر مختلف في طبيعته وأهدافه، يرتبط بمستقبل الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي IMEC.

 

فإسرائيل تنظر إلى هذا الممر باعتباره أكثر من مجرد طريق تجاري بين الهند وأوروبا. إن نجاحه يمنحها موقعاً محورياً في شبكة التجارة والطاقة والبيانات الممتدة من المحيط الهندي إلى شرق المتوسط، ويحول موقعها الجغرافي إلى أصل استراتيجي ضمن حركة التجارة المستقبلية بين آسيا وأوروبا.

 

ومن هذه الزاوية يمكن فهم تنامي علاقاتها الاستراتيجية مع الهند من جهة، ومع اليونان وقبرص من جهة أخرى. فالهند تمثل نقطة الانطلاق الشرقية للممر، بينما تمثل اليونان وقبرص الامتداد نحو شرق المتوسط وأوروبا، في حين تسعى إسرائيل إلى تثبيت موقعها كحلقة وصل أساسية في هذه السلسلة.

 

ولا ينبغي النظر إلى هذا التقارب باعتباره حلفاً عسكرياً مقابلاً لاتفاق مكة، وإنما باعتباره شبكة مصالح استراتيجية تتشكل حول استدامة IMEC وحماية موانئه ومساراته البحرية وبنيته التحتية وخطوط الطاقة والاتصالات المرتبطة به.

 

وقد أثبتت الحرب الأخيرة أن الممرات الاقتصادية لا تستطيع العمل بمعزل عن البيئة الأمنية المحيطة بها. فتهديد المضائق أو تعطيل الملاحة أو استهداف الموانئ والبنية التحتية البحرية والطاقة يمكن أن يحول مشروعاً اقتصادياً ضخماً إلى ممر غير قابل للاستخدام مهما بلغت الاستثمارات التي ضخت فيه.

 

وبهذا المعنى، لا يصبح اتفاق مكة نداً عسكرياً لـIMEC، ولا يصبح التقارب الإسرائيلي مع الهند واليونان وقبرص نداً عسكرياً لاتفاق مكة. إننا أمام مسارين مختلفين يلتقيان عند حقيقة استراتيجية واحدة: أن الممرات الاقتصادية الجديدة تحتاج إلى ترتيبات أمنية تضمن استدامتها.

 

ففي الحالة السعودية–التركية–الباكستانية، يبدأ البناء من مظلة دفاع مشترك يمكن أن تمتد وظيفتها الاستراتيجية إلى حماية المصالح والممرات وخطوط التجارة المرتبطة بالدول الثلاث. أما في حالة IMEC، فإن نقطة البداية هي الممر الاقتصادي نفسه، الذي يدفع الدول المستفيدة منه إلى تطوير أشكال من التعاون والتنسيق لحماية استدامته وبنيته التحتية ومنافذه البحرية.

 

أما إيران، فعلى الرغم مما تعرضت له من ضربات واستنزاف، فمن الخطأ إخراجها من معادلة المنطقة. فهي دولة كبيرة جغرافياً وديموغرافياً، وتمتلك قدرات عسكرية وموقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية عند الخليج ومضيق هرمز، إضافة إلى خبرة طويلة في بناء شبكات النفوذ الإقليمي.

 

ولذلك فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إيران ستبقى قوة إقليمية، وإنما كيف ستعيد بناء مفهوم نفوذها بعد الحرب: هل تستمر في النموذج الذي اعتمد بصورة واسعة على القوى والتنظيمات المسلحة خارج حدودها، أم تتجه تدريجياً نحو إعادة تعريف مصالحها من خلال الدولة والاقتصاد والتجارة والعلاقات الإقليمية؟ الإجابة عن هذا السؤال سيكون لها تأثير كبير في شكل النظام الإقليمي المقبل.

 

وفي خضم هذه التحولات تظهر أهمية بلاد الشام والعراق. فإذا تحولت خرائط المنطقة إلى ممرات اقتصادية وترتيبات أمنية تمر حولها من دون إدماجها، فإن قلب المشرق العربي قد يتحول تدريجياً من جسر جغرافي بين آسيا والخليج وشرق المتوسط إلى منطقة هامشية بين شبكات جديدة للقوة والتجارة.

 

وهنا تبرز بالنسبة للأردن قضية استراتيجية تتجاوز السؤال التقليدي حول الانضمام إلى هذا المحور أو ذاك. فالسؤال الأكثر أهمية هو: كيف يستطيع الأردن أن يجعل موقعه ومصالحه جزءاً لا يمكن تجاوزه من خرائط المنطقة الجديدة؟

 

يمتلك الأردن موقعاً يسمح له بأن يكون حلقة وصل بين الخليج والعراق وبلاد الشام والبحر المتوسط، وأن يدخل في شبكات إقليمية متعددة المسارات تشمل السكك الحديدية والطاقة والربط الكهربائي والبيانات والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد. ولذلك فإن قيمة الموقع الأردني لن تتحدد بالجغرافيا وحدها، وإنما بقدرته على تحويل هذه الجغرافيا إلى بنية تحتية ومصالح اقتصادية متشابكة مع محيطه.

 

وهذا يتطلب رؤية تقوم على تعدد الممرات والشراكات بدلاً من الارتهان لممر واحد أو محور واحد، وعلى بناء علاقات متوازنة تسمح للأردن بالاستفادة من التحولات الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن يتحول إلى ساحة للتنافس بينها.

 

لقد انتقل الشرق الأوسط، خلال فترة قصيرة، من مرحلة كان الحديث فيها يدور حول ممرات التجارة وهندسة النفوذ إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها ممرات التجارة مع ممرات القوة والردع.

 

فـIMEC لم يعد مجرد مشروع لنقل البضائع بين الهند وأوروبا، واتفاق مكة لا يمكن قراءته باعتباره مجرد اتفاق دفاعي منفصل عن التحولات الاقتصادية والاستراتيجية الأوسع. وفي المقابل، فإن مستقبل إيران وموقعها الإقليمي لا يمكن فصلهما عن مستقبل المضائق والموانئ وشبكات الطاقة والتجارة المحيطة بها.

 

وهكذا نصل إلى التحول الأهم في خريطة المنطقة: لم تعد الممرات نتيجة للقوة فقط، ولم تعد القوة منفصلة عن الاقتصاد؛ بل أصبحت الممرات تولّد حاجتها إلى القوة التي تحميها، فيما أصبحت التحالفات بدورها تبحث عن المصالح الاقتصادية والممرات التي تمنحها معنى واستدامة.

 

ومن يريد قراءة خريطة الشرق الأوسط المقبلة لا يكفي أن ينظر إلى الحدود السياسية للدول، بل عليه أن يتابع الخطوط التي تعبر هذه الحدود: خطوط التجارة والطاقة والسكك الحديدية والبيانات، وبالتوازي معها خطوط المصالح والتحالفات والردع.

 

فهذه الخطوط المتقاطعة هي التي ستحدد من سيكون في مركز النظام الإقليمي الجديد، ومن سيبقى على أطرافه.

 

وإذا كانت المرحلة السابقة قد أثبتت أن من يملك الممر يمتلك جزءاً من النفوذ، فإن المرحلة المقبلة قد تثبت أن من يستطيع حماية الممر وضمان استدامته يمتلك جزءاً أكبر من القوة