+
أأ
-

تشظي الاقتصاد السوداني وتداعيات انهيار الجنيه في ظل النزاع المسلح

{title}
بلكي الإخباري

يواجه الاقتصاد السوداني حالة من التخبط غير المسبوق نتيجة اتساع الفجوة المالية بين المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وتلك الخاضعة لنفوذ قوات الدعم السريع، حيث أدى استمرار النزاع المسلح إلى خلق بيئات اقتصادية متباينة تعاني جميعها من تدهور حاد في قيمة العملة الوطنية وارتفاع جنوني في تكاليف المعيشة. كشفت المعطيات الميدانية عن تفاوت ملموس في أسعار الصرف، مما ألقى بظلاله الثقيلة على القدرة الشرائية للمواطنين الذين باتوا يواجهون صعوبات بالغة في تأمين احتياجاتهم الأساسية.

وبينت التقارير الواردة من أم درمان أن سعر الدولار في السوق الموازية بالمناطق الحكومية يتجاوز حاجز الستة الاف جنيه، بينما تختلف الأرقام في مناطق أخرى، وهو ما أدى إلى زيادة كبيرة في تكلفة استيراد السلع والخدمات وتفاقم الأعباء على المستهلك النهائي. واوضحت المؤشرات أن الفارق في أسعار الصرف يمثل انعكاسا مباشرا لغياب التنسيق النقدي وتوقف النظام المصرفي عن أداء دوره الطبيعي في ضبط الأسواق وحماية العملة المحلية من الانهيار المستمر.

واكد مراقبون أن المشهد يبدو أكثر تعقيدا في مناطق مثل نيالا، حيث لا يزال التداول يعتمد على فئات نقدية قديمة أعلن البنك المركزي عدم صلاحيتها، في وقت تفتقر فيه تلك المناطق لوجود مؤسسات مصرفية قادرة على إدارة السيولة أو تحديد سعر موحد للعملات الأجنبية، مما ساهم في تراجع قيمة الجنيه بنسب قياسية وصلت إلى اربعمئة بالمئة.

تفسيرات التباين في سعر الصرف

وكشفت تحليلات اقتصادية أن انخفاض سعر الدولار في بعض المناطق قد يرتبط بانتشار كميات من العملات الأجنبية المزيفة، مما يدفع التجار للجوء إلى الجنيه كخيار أكثر أمانا في ظل انعدام الثقة بالعملات الصعبة المتداولة. واضافت المصادر أن التباين في الطلب على العملات الأجنبية يعود إلى طبيعة الاحتياجات المالية لكل طرف، حيث تواجه الحكومة التزامات ضخمة تتعلق بتوفير الغذاء والوقود وإعادة الإعمار، بخلاف مناطق النزاع الأخرى.

وذكر الخبير الاقتصادي محمد الناير أن ما يتم تداوله حول وجود فجوة حقيقية في الأسعار قد يكون مبالغا فيه، موضحا أن الفارق في كثير من الأحيان يرتبط بأزمة السيولة النقدية الشديدة. وشدد على أن السعر الفعلي للدولار يظل متقاربا في مختلف المناطق، وأن الانخفاض الظاهري في بعض التعاملات يعود لرغبة المواطنين في الحصول على الكاش بدلا من التحويلات المصرفية التي تفتقر للانتشار والفاعلية.

واشار الناير إلى أن الحديث عن استقرار اقتصادي في مناطق سيطرة الدعم السريع مجرد ادعاءات لا تستند إلى واقع مالي سليم، خاصة في ظل غياب البنك المركزي والمصارف التي تعرضت للنهب والتدمير خلال فترة الحرب. وبين أن المشكلة الجوهرية تكمن في نقص النقد المتداول، وهو ما يتطلب تدخلا عاجلا من السلطات المعنية لضمان عدم ضياع مدخرات المواطنين.

حلول مقترحة لاستعادة الاستقرار النقدي

واوضح الخبير الاقتصادي أن الحل يبدأ بتسريع خطوات استبدال العملة الوطنية بشكل مدروس، مع ضرورة إعادة النظر في هيكل الفئات النقدية لتعزيز الثقة في السوق المحلي وتسهيل التعاملات اليومية للمواطنين. واضاف أن استبدال العملة يجب أن يكون عملية شاملة تضمن حقوق جميع السودانيين في كافة المناطق، بما في ذلك الموجودون تحت سيطرة الدعم السريع، لمنع تعرضهم لخسائر إضافية في مدخراتهم.

واكد على أهمية وضع آليات دقيقة لتتبع الأموال التي نهبت من المصارف خلال الحرب، معتبرا أن هذا الإجراء يعد خطوة أساسية لاستعادة النظام المالي وتصحيح المسار الاقتصادي. واختتم بالتأكيد على أن استقرار الجنيه السوداني مرهون بتوقف النزاع وعودة المؤسسات النقدية لممارسة مهامها بعيدا عن التجاذبات العسكرية لضمان تعافي الاقتصاد الوطني.