+
أأ
-

د. ثروت المعاقبة تكتب : «لا تستهين بمن تصمت أمامه… فالنمرود ظن أن القوة تحميه، حتى أصبح عبرة»

{title}
بلكي الإخباري

 

 

الظلم في هذه الحياة ليس قوة، بل لحظة غرور قاتلة يظن فيها الظالم أن نفوذه سيدوم، وأن صمت المظلوم ضعف وقلة حيلة..... لكن الحقيقة  مختلفة  تماما فإن الظلم مهما طال لا بد أن ينتهي، والحق مهما تأخر لا بد أن يظهر للعيان.

قد يسكت الظالم شخصا أو ربما أشخاص، لكنه لا يستطيع إسكات الحقيقة، وقد يؤخر العدالة، لكنه لا يستطيع إلغاءها.

فالظالم يملك لحظة… أما الزمن فيملك الحقيقة وتقلبات الزمن..…

إن أصعب اللحظات التي يمر بها  الظالم  اللحظة التي يصدق فيها أنه خالد وباقي مهما كانت الظروف، وأن قوته ستمنحه حصانة من سقوط مستقبلي.... فالتاريخ لا يرحم ولا يحفظ الطغاة ومن استغلوا ضعف من حولهم.

ومن أكثر القصص التي نتذكرها والتي تختصر  الحقيقة المؤلمة قصة النمرود، ذلك المتجبر المتغطرس الذي بلغ به الغرور أن جادل سيدنا  إبراهيم عليه السلام في ربه، وتوهم أن ما بين يديه من نفوذ وقوة يجعله ندا للحق والعدل.

 

المشكلة ليست في أن يمتلك الإنسان قوة وسلطة ونفوذ، المشكلة تبدأ عندما ينسى أن القوة أمانة، وأن المنصب مرحلة وتمر، وأن الإنسان مهما علا شأنه يبقى معرضا للسقوط والفشل.

الظالم لا يبدأ سقوطه عندما يخسر كرسيه فحسب، بل يبدأ سقوطه عندما يعتقد أن الناس لا يستطيعون مواجهته، وأن أصواتهم لا قيمة  ولا وزن لها، وأن من يظلمهم سيبقون صامتين إلى الأبد.

وهنا تحديدا يبدأ الوهم الأكبر.…

فالنمرود لم يرى سيدنا إبراهيم.. بل  رأى شخصا ضعيفا  لايمكن مواجهته،  لكن سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يقف أمامه بمنطق القوة المادية، بل وقف أمامه بقوة الحق وهي القوة التي معها الله وحده.

وهذه واحدة من أعظم رسائل القصة....لا تقيس خصمك بما تراه أمامك من أدوات وسلطة ومال ونفوذ، فقد يكون الإنسان الذي تستهين به يحمل من الثبات والإيمان والإرادة ما لا تملكه أنت.

كم من إنسان استهان به متكبر ومتعجرف، ثم أصبح هذا الإنسان نفسه سببا في كشف ضعفه وفشله؟

وكم من موظف ظن أنه مجرد رقم في ملفات الموظفين، ثم أثبتت الأيام أن وراء صمته موقفا، ووراء صبره قدرة على الصمود في أشد الظروف، ووراء هدوئه إصرارا لا ينكسر مهما كان الخصم ؟

لا تستهين أبدا بمن تصمت أمامه ....الصمت ليس خوفا ....أحيانا يكون الصمت احتراما، وأحيانا يكون صبرا، وأحيانا يكون انتظارا  للوقت المناسب، وأحيانا يكون إيمانا بالله بأن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ حتى تنتصر.

 

فقد يصمت الإنسان اليوم، لكنه لا ينسى ولا يغفر.... وقد يتراجع خطوة، لكنه لا يتنازل عن حقه أبدا، وقد يتحمل الظلم فترة، لكنه في لحظة ما يقرر أن يقول: كفى ظلما .

 

قد يملك الظالم القرار والمنصب، و القدرة على إصدار الأوامر، وقد يستطيع إسكات بعض الأصوات لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يفرض على الزمن أن يكون إلى جانبه فالزمن كاشف ...يكشف النوايا، يكشف القرارات، يكشف من كان يعمل للحق ومن كان يعمل لنفسه، ويكشف  أيضا من استخدم سلطته لحماية الناس ومن استخدمها لإخضاعهم.

ولهذا لا ينبغي للمظلوم أن ييأس إذا رأى الباطل مرتفعا في السماء، فارتفاع الباطل لا يعني انتصاره، وتأخر العدالة لا يعني غيابها للأبد.

الظالم يدفع الضعيف إلى أن يكتشف قوته وهناك أخطاء سيدفع ثمنها أصحابها بعد فوات الأوان.....ومن أخطرها أن يستهين الإنسان بمن أمامه، وأن يظن أن الطرف الآخر لا يستطيع إلا الخضوع والإستسلام، فالإنسان قد يتحمل الإهانة مرة، والظلم مرة، والخذلان مرة، لكنه عندما يصل إلى النقطة التي يشعر فيها أن كرامته وحقه أصبحا على المحك،  فيبدأ  حينها في استخدام كل ما يملك من أدوات مشروعة للدفاع عن نفسه وعن كرامته وكبريائه.

وعندها قد يكتشف من ظن نفسه قويا أن خصمه لم يكن ضعيفا... بل كان صابرا فقط.

 

قصة النمرود ليست مجرد قصة نتداولها، بل رسالة تتكرر في كل زمان مفادها:

لا تغتر بمنصب..…

لا تستقو بسلطة أو مال.…

لا تظلم لأنك تستطيع ذلك ..…

لا تستهين بصاحب حق مهما كان ضعيفا...…

لا تظن أن الخوف الذي تراه في عيون الناس سيبقى للأبد...…

ولا تعتقد أن من صمت عن ظلمك قد رضي به واستسلم...…

فقد يأتي يوم يصبح فيه الصامت شاهدا حيا  على أحداث، والمظلوم صاحب حجة وموقف، والضعيف الذي احتقرته يوما سيصبح أقوى .

النهاية ليست لمن يملك القوة... بل لمن يملك الحق فقط.....فكن مطمئن…

 

 قصص الطغاة عندما يظنون أن الناس ستذكر قوتهم وسلطتهم، بينما يتذكرهم التاريخ مثالا على هشاشة القوة حين تنفصل عن الحق والعدل والمساواه .

 

رسالتي.…

لا تخف من الظلم إلى درجة أن تفقد إيمانك .…

ولا تجعل قوة الظالم تقنعك بأنه أقوى من الحق..…

 

لا أحد يبقى فوق الجميع…

ومن ظن أن الناس خلقت لتخافه، فليتذكر أن التاريخ مليء بمن ظنوا ذلك... ثم أصبحوا هم الحكاية التي يتعلم منها الناس كيف تكون النهاية ...... نهاية النمرود المأساوية كانت على يد بعوضة دخلت في أنفه، ثم وصلت إلى رأسه، فعذبته حتى هلك.... فكلنا نردد عبارة "إلى مزبلة التاريخ " لمن طغوا  وأصبحوا عبرة.