+
أأ
-

بين سحر حساب الفيسبوك للجنرال … وعقم الأحزاب: درس في سيكولوجيا الشارع السياسي

{title}
بلكي الإخباري

 

 

 

كتب م. فادي العمرو - في علم النفس السياسي الذي لا يفهمه ساسة الأردن …. لا يُقاس حضور الخطاب بمدى رسمية المنصات التي ينطلق منها، بل بقدرته على النفاذ إلى الوجدان الجمعي وملء الفراغ الذي تتركه النخب. ظاهرة حساب "الجنرال" التي اجتاحت الفضاء الرقمي لم تكن صدفة عابرة، بل مرآة عاكسة لأزمة عميقة في المشهد العام، وتجربة تستحق التفكيك بعيداً عن الانفعال.

يحسب للرجل – أو للكيان الكامن خلف هذا الاسم – أنه امتلك ذكاءً حاداً في فهم مزاج الشارع وسيكولوجيا المواطن البسيط. استطاع ببراعة تفكيك لغة الصمت، وتقديم خطاب مباشر، مباغت، ومتحرر من القيود البيروقراطية، مانحاً المتابع العادي شعوراً بالمعرفة وكأنه جالس في كواليس القرار. هذا السبق، والقدرة على كسر الرتابة، صَنَعَا حالة استقطاب جماهيري وثقة فورية عجزت عنها ماكينات إعلامية ومؤسسات بأكملها.

لكن في المقابل، يكمن مأخذنا الجوهري ونقطة الخلاف معه في المآلات؛ إذ لا يمكن لبناء الوعي الوطني أن يستقيم إذا انزلق كشف الحقائق نحو التحريض غير المحسوب والعدمية السياسية. 

 

العمل من خلف الستار يرفع عن صاحبه كلفة المسؤولية الأخلاقية، ويجعل الخط الفاصل بين التنوير وإثارة الفوضى هشاً للغاية. الوطن لا يحتاج إلى صدمات متتالية بقدر ما يحتاج إلى معالجات تبني على الحقيقة ولا تهدم الاستقرار.

المفارقة المؤلمة تتجلى عند النظر إلى أحزابنا التي ما زالت تمارس العمل العام بعقلية متكلسة؛ تجوب القرى والبوادي والمدن بحثاً عن أرقام انتساب تملأ بها كشوفات ورقية، تماماً كما تُعرض بضاعة كاسدة على الأرصفة …. تفشل هذه الكيانات لأنها تفتقر إلى النبض الحقيقي وتتحدث لغة خشبية لا تطعم جائعاً ولا تجيب عن قلق، بينما حصد حساب افتراضي ثقة المئات من الآلاف بلمسة شاشة.

الدرس المستفاد هو أن الشرعية السياسية تُنتزع بالموقف والمكاشفة وملامسة هموم الناس، لا باليافطات الفارهة ولا بالاستجداء البيروقراطي وإلى أن تدرك الأحزاب هذه المعادلة البسيطة، سيبقى الشارع يصغي إلى "الأشباح الرقمية" ويدير ظهره للأجسام الكرتونية مثل احزاب اليوم في الأردن