+
أأ
-

الثانوية العامة الأردنية: هل نحتاج إلى تغيير الحقول أم إلى تغيير فلسفة التعليم؟

{title}
بلكي الإخباري

 د.عبدالله سرور الزعبي

هناك أزمات لا تبدأ من القرار الذي نختلف عليه، ولا تنتهي بتعديله؛ تبدأ حين نفقد القدرة على الإجابة عن السؤال الذي يجب أن يسبق كل قرار: إلى أين نريد أن نصل؟ وأزمة الثانوية العامة في الأردن واحدة من هذه الأزمات.

 

 

 فنحن نناقش اليوم الحقول والمواد والامتحانات والقبول الجامعي وكأن المشكلة في توزيع المواد أو شكل الامتحان، بينما السؤال الأعمق ما يزال بلا إجابة واضحة: أي إنسان نريد أن تُخرّجه المدرسة الأردنية؟ قد يبدو هذا السؤال فلسفياً، لكنه في الحقيقة سؤال اقتصادي وتنموي وسيادي بامتياز؛ فكل من سيبني الأردن بعد عشرين عاماً يبدأ اليوم من مقعد في مدرسة.

 لذلك، فإن أزمة الثانوية العامة ليست أزمة امتحان أو حقول أو مناهج فقط، بل أزمة فلسفة تعليمية لم تتحول بعد إلى منظومة وطنية متكاملة تحكم المدرسة والجامعة وسوق العمل معاً.

الدول التي نجحت في بناء أنظمة تعليمية قوية لم تبدأ من سؤال "كم حقلاً نحتاج؟"، بل من الإنسان الذي تريد بناءه، والمعرفة التي يحتاجها، والمهارات التي يجب أن يمتلكها، ثم صمّمت المسارات والمناهج بناءً على ذلك.

 ومن المفيد هنا استعراض عدد من التجارب الدولية، لا لاستنساخها، بل لفهم الفلسفة التي تقف خلف نجاحها، إذ تقدّم كل تجربة درساً مختلفاً في كيفية بناء المسارات التعليمية.

ففي ألمانيا يبدأ التفريق بين أنواع المدارس مبكراً، وقد نقل الأردن نفسه تجربة مدارسها المهنية في القرن الماضي بنجاح.

 وفي النمسا يبدأ التمايز بين الطلبة مبكراً أيضاً، لكن مع إمكانية الانتقال بين المسارات، والتفرع المهني الأكبر يأتي لاحقاً في السنة التاسعة.

 وتبدأ هولندا التوجيه عند سن الثانية عشرة، لكن مع مستويات مزدوجة ومسارات تسمح بالحركة، فيما يأتي التخصص الدقيق لاحقاً. أما فنلندا فتُبقي جميع الطلبة في مدرسة موحدة حتى سن الخامسة عشرة، ثم يختارون بين التعليم العام والمهني.

 والدرس المشترك من هذه التجارب ليس أن التمايز المبكر هو الحل، بل أن اختلاف الطلبة يستدعي أكثر من طريق، وأن الطريق الجيد يجب ألا يتحول إلى جدار يغلق بقية الطرق.

وفي نيوزيلندا يبقى التعليم الثانوي أكثر توحيداً، مع مساحة واسعة أمام الطالب لاختيار المواد والتوجهات التي تناسب قدراته؛ وهي تجربة تذكّرنا بأن التعدد لا يعني بالضرورة تقسيم الطلبة إلى صناديق ثابتة، فقد يكون داخل المنظومة نفسها من خلال تنوع المواد والمستويات.

 أما اليابان فتمنح الطالب سنوات أطول من 

التعليم المشترك، ولا تختزل التعليم في إعداده للجامعة، بل تجعل بناء الشخصية والمسؤولية الاجتماعية جزءاً أساسياً من العملية: الإنسان أولاً، ثم التخصص.

 وفي كوريا الجنوبية ارتبط التعليم بمشروع التنمية الوطنية، والتعليم المهني فيها ليس طريقاً لمن فشل أكاديمياً، بل أحد المسارات التي تحتاجها الدولة لاقتصاد قوي.

 وفي الصين، منذ إصلاحات 1978، يأتي التفرع الرئيس بعد الصف التاسع بين التعليم الأكاديمي والمهني، ضمن رؤية إستراتيجية شاملة تتعامل مع التعليم والعلم والتكنولوجيا كأدوات للنهوض الوطني لا كملفات منفصلة.

وتقدّم سنغافورة الدرس الأهم لمشكلة "الحقول": فبعدما كانت تعتمد تشعيباً مبكراً وجامداً، غيّرت نموذجها بحيث لا يُنظر إلى الطالب كله كمنتمٍ لمسار واحد ثابت، بل يمكن أن يدرس كل مادة بمستوى يناسب قدرته فيها.

 وهنا حدث تحوّل فلسفي مهم: من تصنيف الطالب إلى تصنيف مستوى التعلم. فقد يكون الطالب متفوقاً في الرياضيات، ومتوسطاً في اللغة، ومتميزاً في التكنولوجيا؛ فلماذا نضعه كله في صندوق واحد؟ أما بريطانيا، فطوّرت منظومة واسعة من المؤهلات الأكاديمية والمهنية والتطبيقية، يبرز بينها BTEC القائم على التعلم التطبيقي، ويمكن أن يكون طريقاً إلى سوق العمل أو التعليم العالي.

 لكن يجب الانتباه هنا إلى نقطة جوهرية للتجربة الأردنية: إدخال برنامج لا يعني نقل فلسفة التعليم التي أنتجته؛ فالبرنامج التطبيقي، مهما كان جيداً، لن ينجح وحده إذا بقي منفصلاً عن بيئته، ونقل برنامج دون نقل البيئة التي أنتجت نجاحه قد يحوّل الإصلاح إلى مجرد تغيير في الاسم.

والسؤال الأهم ليس مبدأ توزيع الطلبة على مسارات، بل توقيت هذا التوزيع وطبيعته ومرونته وقدرة الطالب على الانتقال من مسار إلى آخر دون أن تُغلق أمامه أبواب المستقبل.

وفي حدود النماذج الدولية، لا يبدو أن هناك نموذجاً يطابق تماماً الصيغة الأردنية التي يبقى فيها الطالب في مسار عام حتى الصف الحادي عشر، ثم يُوزَّع فجأة على حقول أكاديمية محددة تؤثر مباشرة في مستقبله الجامعي.

 والأهم من توقيت التشعيب هو فلسفته؛ فالنموذج السنغافوري يبتعد عن فكرة الصندوق الواحد إلى مستوى مرن قابل للتعديل لكل مادة.

 وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: إذا كانت الدول التي تشعب طلابها مبكراً تتجه اليوم نحو مزيد من المرونة، فلماذا نختار للطالب الأردني مساراً جامداً في نهاية الثانوية قد يغلق أمامه أبواب الجامعة بسبب مادة واحدة لم يدرسها؟

 وهنا يمكن أن تكون فنلندا في تأخير الاختيار، وهولندا في تعدد المسارات مع إمكان الحركة، وسنغافورة في المرونة حسب المادة والقدرة، أكثر فائدة للأردن من تقليد نموذج دولة واحدة. فالسؤال يتجاوز "من أي صف نشعب؟" إلى: هل نريد تشعيب الطالب أم تشعيب مستقبله؟

فكرة المسارات إذن ليست اختراعاً أردنياً ولا مشكلة في حد ذاتها؛ فمعظم الأنظمة المتقدمة تعترف باختلاف الطلبة وتتيح لهم مسارات متعددة.

 لكن الفارق أن الأنظمة الناجحة لا تنظر إلى المسار كحكم نهائي على مستقبل الطالب، بل كطريق قابل للتطوير، مع المحافظة على إمكانية الانتقال إلى مستويات أعلى. فهل المشكلة في أن نقول للطالب "اختر"، أم في أن نسأله متى يختار وعلى أي أساس وما مقدار الحرية التي تبقى له بعد الاختيار؟ فالطالب في الخامسة عشرة قد لا يعرف قدراته الحقيقية ولا كيف سيتغير سوق العمل بعد عشر سنوات؛ وإذا اكتشف بعد عام أنه أخطأ، فهل نمنحه فرصة حقيقية للانتقال؟ هنا يجب أن نميّز بين التوجيه والإقصاء: التوجيه يقول للطالب "يمكنك تغيير المسار إذا تغيرت اهتماماتك"، أما الإقصاء فيقول "اختر الآن، وإذا أخطأت فستدفع ثمن اختيارك طويلاً".

 فالحقل يقسم الطالب، أما المسار فيقود الطالب؛ الحقل قد يغلق باباً، أما المسار الجيد فيبني جسوراً بين الأبواب.

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر جرأة: هل لدى الأردن فلسفة تعليم؟ والإجابة: نعم، لدينا فلسفة تربوية معلنة تستند إلى الدستور والهوية والتجربة الوطنية، وتعطي العلم والعمل والقيم مكانة أساسية.

 فالمشكلة ليست أننا بلا فلسفة، بل أن هذه الفلسفة القيمية العامة تحتاج أن تتحول إلى فلسفة تشغيلية تحدد بوضوح: ماذا يجب أن يعرف خريج المدرسة ويستطيع أن يفعل؟ ما المهارات التي يحتاجها؟ كيف ينتقل إلى الجامعة أو العمل؟ ما مكانة التعليم المهني؟ وكيف نعدّه لعالم يتغير بسرعة؟

ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً لأن العالم تغيّر: فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد تكنولوجيا يمكن إضافتها إلى مادة الحاسوب؛ إنه يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة والعمل، ولم يعد بإمكان المدرسة أن تقيس نجاح الطالب باسترجاعه للمعلومات، لأن الآلة تكتب وتترجم وتبرمج وتحلل خلال ثوانٍ.

 كلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج الإجابة، ازدادت قيمة الإنسان الذي يسأل السؤال الصحيح، ويتحقق من الإجابة، ويكتشف الخطأ، ويحكم أخلاقياً، ويفهم السياق، ويبتكر.

 ولهذا يجب أن يصبح التفكير النقدي وحل المشكلات والثقافة الرقمية جزءاً من فلسفة التعليم لا إضافات هامشية، وهذا يخص كل التخصصات لا العلوم والتكنولوجيا وحدها.

 فهل الحقول التي نصممها اليوم مبنية على اقتصاد المستقبل أم الماضي؟ هل يستطيع طالب الرياضيات الانتقال إلى الهندسة والذكاء الاصطناعي؟ وطالب الاقتصاد أن يجمعه بالبيانات؟ إذا كانت الإجابة لا، فإننا نعيد إنتاج جزر تعليمية في عالم أصبحت فيه المعرفة شبكة واحدة.

لماذا إذن لا نستفيد بصورة منهجية مما جرّبته الدول التي سبقتنا، بدل أن نبدأ في كل مرة من نقطة الصفر وكأن العالم لم يجرب قبلنا؟ يمكن أن نأخذ من كل تجربة ما نجح، ونعيد تصميمه بما يناسب هويتنا، دون أن نتخلى عن مناهجنا أو لغتنا أو قيمنا؛ فالهوية الوطنية ليست نقيضاً للتعلم من العالم، بل الإطار الذي نختار داخله الأفضل مما أنتجه.

 من النمسا نأخذ مرونة المسارات، ومن سنغافورة الاهتمام بمستويات التعلم، ومن اليابان بناء الإنسان، ومن كوريا والصين الربط بين التعليم والتنمية، ومن بريطانيا التعليم التطبيقي، ثم نبني نموذجاً أردنياً قابلاً للتطبيق.

 وتستحق تجربة أردنية سابقة التوقف عندها: ففي عام 2019 طُرحت رؤية أُطلق عليها "المشروع الوطني للمسارات والتطور الوظيفي"، تقوم على توجيه الطلبة من الصف التاسع نحو ثلاثة مسارات: أكاديمي ومهني وتدريب مهني، بل أن يبدأ اكتشاف قدرات الطالب وميوله مبكراً، وأن تُبنى له رحلة تعليمية ومهنية تتناسب مع إمكاناته، مع إمكانية الانتقال بينها لاحقاً، وإبقاء أبواب التطور مفتوحة، بحيث لا يبقى الطلبة في طريق واحد حتى بوابة الجامعة، وهذه الفكرة تستحق اليوم أن يُعاد النظر فيها بصورة أكثر تطوراً، مستفيدين من التجارب الدولية ومن التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي.

ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من مبادئ واضحة: تعليم عام مشترك قوي حتى نهاية الصف التاسع، يحصل فيه الطلبة على قاعدة راسخة في اللغتين العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم والدراسات الإنسانية والفنون والقيم والمهارات الرقمية؛ وجعل الصف التاسع نقطة توجيه لا إقصاء، بحيث لا يعتمد الاختيار على امتحان واحد بل على سجل تراكمي لقدرات الطالب وميوله ومهاراته؛ ونظام إرشاد مهني وطني يبدأ مبكراً، ليصبح مساراً عالي القيمة مرتبطاً بالصناعة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر لا مساراً لمن لم يحصل على معدل يؤهله للجامعة؛ وإعادة بناء التعليم المهني والتقني ليصبح مساراً عالي القيمة مرتبطاً بالصناعة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر، لا مساراً لمن لم يحصل على معدل يؤهله للجامعة؛ والاستفادة من مرونة سنغافورة في المواد والمستويات؛ وإعادة تعريف امتحان الثانوية بحيث يجمع التقييم بين المعرفة والتطبيق والمشروعات، والمهارات بحسب طبيعة المسار، فالسؤال لم يعد "كم حفظت؟" بل "ماذا تستطيع أن تفعل؟"؛ وأخيراً جسور حقيقية بين المسارات، بحيث يستطيع الطالب المهني الوصول إلى التعليم التقني ثم الجامعي، والطالب الأكاديمي الانتقال إذا اكتشف ميولاً تقنية، فلا يدفع من يخطئ في اختياره في الخامسة عشرة ثمن ذلك طوال حياته. فالاختيار الأول يجب أن يكون قابلاً للتصحيح.

وهذا التوجه ينسجم مع ما دأب عليه الملك عبدالله الثاني من التأكيد على أن التعليم هو حجر الأساس في بناء الإنسان الأردني، وما يوليه ولي العهد من اهتمام مباشر بمستقبل التعليم والتحول الرقمي، بما يفتح الباب أمام إصلاح لا يكتفي بمعالجة الحقول، بل يعيد بناء المنظومة من جذورها.

لكن هذا الإصلاح لا يمكن أن ينجح إذا ظل مجرد قرارات تصدر وتتغير بتغير الظروف؛ نحتاج إلى فلسفة تعليم أردنية للعقود القادمة: وثيقة وطنية تحدد الإنسان الذي نريد بناءه، والمعارف والمهارات التي يحتاجها عصر الذكاء الاصطناعي، ومكانة التعليم المهني، والعلاقة بين المدرسة والجامعة وسوق العمل، ودور المعلم، وكيف نقيس التعلم. وعندما نمتلك هذه الفلسفة، يصبح بالإمكان أن نقرر عدد الحقول ونوع المسارات وشكل الثانوية ونظام الامتحان. أما أن نبدأ بالحقول قبل الفلسفة، فمعناه أننا نضع الأداة قبل الغاية.

وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأت به: ماذا فعلنا نحن؟ لقد أصبح التعليم الثانوي الأردني بدرجة كبيرة بوابة إلى الجامعة، وأصبح معدل الطالب اللغة الأساسية التي نتحدث بها عن النجاح، وأصبحت التخصصات الجامعية تحدد بصورة غير مباشرة كثيراً من خيارات الطالب في المدرسة، بدل أن تُصمَّم المدرسة وفق فلسفة متكاملة للإنسان والاقتصاد والمجتمع.

 فقضيتنا اليوم ليست أن نثبت أننا قادرون على ابتكار نموذج لا يشبه أحداً، بل أن نثبت أننا قادرون على بناء نموذج ينجح؛ فالابتكار لمجرد الابتكار قد يمنحنا شعوراً بالتميز، أما أن نتعلم من الآخرين ونختار الأفضل ونختبره علمياً ونكيّفه مع واقعنا ثم نثبته قبل تعميمه، فذلك هو التميز الحقيقي. لسنا مضطرين إلى اختراع العجلة حتى نثبت أننا نعرف كيف نصنعها؛ يكفي أن نعرف أي عجلة نحتاج، وكيف نكيّفها لتسير على الطريق الأردني.

 ولهذا نحتاج أن نقول بوضوح: أبناؤنا ليسوا مختبراً لتجاربنا، بل أغلى رأس مال نملكه، ومن حقهم أن يحصلوا على أفضل ما توصل إليه العالم بعد أن نُخضعه للتكييف وفق هويتنا، لا أن ننتظر حتى نكتشف بأنفسنا ما اكتشفه غيرنا.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يخرج به المجتمع الأردني ليس: هل نؤيد الحقول أم نرفضها؟ بل: هل نريد نظاماً يصنّف أبناءنا، أم نظاماً يكتشفهم ويطورهم؟ فالحقل ليس غاية، والامتحان ليس غاية، والجامعة ليست الغاية الوحيدة. الغاية إنسان أردني يعرف ويفكر ويسأل ويبدع، ويستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن يصبح تابعاً له، ويحمل قيمه دون أن يغلق عقله أمام المستقبل.

 وإذا كان هدفنا طالباً ينجح في امتحان فسنظل نبحث عن امتحان أفضل، وإذا كان هدفنا طالباً يدخل الجامعة فسنظل نعيد ترتيب الحقول لخدمة القبول، أما إذا كان هدفنا إنساناً قادراً على التفكير وقيادة اقتصاد جديد، فعلينا أن نعيد بناء التعليم من جذوره. فأزمة الثانوية العامة ليست أزمة امتحان، ولا حقول، ولا حتى مناهج فقط؛ إنها انعكاس لسؤال أكبر لم نجب عنه بعد: ما الذي نريده من التعليم الأردني، وما الذي نريده للأردن من التعليم؟

فالخطوة الأولى في إصلاح الثانوية ليست: كم حقلاً نريد؟ بل: أي إنسان نريد أن نرى في الأردن بعد عقدين؟ إنسان يحفظ، أم يعرف كيف يتعلم؟ ينتظر وظيفة، أم يصنع فرصة؟ يخاف من التكنولوجيا، أم يقودها وفق قيمه؟ وحين نجيب عن هذه الأسئلة، تصبح الحقول والمناهج والامتحانات أدوات واضحة في مشروع واحد؛ أما إذا بدأنا من الحقول فسنختلف عليها، وإذا بدأنا من الامتحان فسنختلف على شكله، وإذا بدأنا من القبول الجامعي فسنظل ندور في الحلقة نفسها؛ أما إذا بدأنا من الإنسان فسنعرف كيف نبني النظام كله.

 فإصلاح الثانوية العامة أكبر بكثير من إصلاح "التوجيهي"؛ إنه إعادة تعريف لوظيفة المدرسة، وإعادة تعريف وظيفة المدرسة تعني إعادة تعريف مستقبل الأردن، لأن الدول تُبنى أولاً بالإنسان الذي تستطيع مدارسها أن تصنعه، والقرار الذي نتخذه اليوم في المدرسة سيظهر غداً في الاقتصاد وسوق العمل وقدرة الدولة على المنافسة. فهذه ليست قضية امتحان؛ إنها قضية دولة ومستقبل وجيل كامل.

 والسؤال الذي يجب أن يسبق كل قرار بعد اليوم ليس: أي حقل نختار؟ بل: هل نُصلح تعليم الماضي، أم نملك الشجاعة لبناء تعليم المستقبل؟

مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية