بين ما نريد وما نعيش

الأب عماد الطوال- ماركا الشمالية
ماذا لو اكتشف الإنسان وهو على وشك أن يفقد حياته أن ما يخسره لم يكن الحياة التي كان ينبغي أن يعيشها أصلًا؟ سؤال قاسٍ لكنه يظل بعيدًا ما دمنا أصحاء، منشغلين، نركض من يوم إلى يوم، لا نحب أن نفكر فيه لأن الحياة تمنحنا دائمًا أسبابًا كافية للهروب منه هناك عمل يجب إنجازه ونجاح نريد الوصول إليه والتزامات لا تنتهي ومستقبل نخطط له، ثم يحدث ما لا ننتظره يتوقف الإنسان وللمرة الأولى يجد نفسه وحيدًا أمام حياته.
هذا ما يحدث لإيفان إيليتش بطل رواية ليو تولستوي الشهيرة لم يكن رجلًا فاشلًا ولا تائهًا بل فعل كل ما ينبغي أن يفعله رجل يريد أن يعيش حياة ناجحة ومحترمة، مكانة، وظيفة، بيت ومظهر يليق بنظرة الآخرين، ثم جاء المرض وأمام الموت يبدأ السؤال الذي لم يطرحه على نفسه بجدية طوال حياته، ماذا لو كانت الحياة التي عشتها ليست هي الحياة التي كان ينبغي أن أعيشها؟
هنا تنتهي حكاية إيفان ويبدأ سؤالنا نحن، كم من إنسان يعيش عمره في السعي إلى حياة أفضل دون أن يتوقف ليسأل، أفضل من أجل ماذا؟ كم منا يبني حياته حول أشياء يعتقد أنها ستمنحه المعنى، وظيفة، منصب، نجاح، بيت، سمعة، قبول الآخرين؟
ليست المشكلة في هذه الأشياء نفسها فالإنسان يحتاج إلى العمل والنجاح والاستقرار، لكن شيئًا ما يحدث حين تتحول الوسائل إلى غايات وحين نقضي عمرنا في بناء الحياة من الخارج بينما نترك في الداخل أسئلة لم نجرؤ على مواجهتها.
قد يصل الإنسان إلى ما أراده تمامًا ثم يكتشف أنه لم يكن يعرف في الأصل لماذا كان يريده، ونحن نؤجل الحياة كثيرًا، نقول إن الوقت ليس مناسبًا الآن سنعيش بالطريقة التي نريدها عندما تهدأ الظروف، عندما ننجح، عندما يصبح لدينا وقت، لكن الحياة لا تنتظرنا إنها تمضي الآن بينما نحن نستعد لها.
نستيقظ، نعمل، ننجز، نخطط، نفلق وتمر الأيام متشابهة، ثم تتحول السنوات إلى ذكرى ولا ننتبه إلا عندما يحدث ما يوقظنا، مرض، فقدان، رحيل، أو لحظة صمت لا نستطيع الهروب منها، عندها نبدأ في السؤال، هل أعيش الحياة التي أريدها فعلًا؟ هل تشبه أيامي ما أؤمن به؟ هل أعطي وقتي للأشياء التي أقول إنها مهمة؟
ربما لا يخيفنا الموت لأنه نهاية الحياة فقط بل لأنه يفرض علينا صدقًا لا نستطيع التهرب منه فهو يعيد ترتيب الأشياء بطريقة قاسية، ما بدا مهمًا يصبح صغيرًا وما أهملناه طوال العمر يكتسب فجأة وزنًا كبيرًا.
خلاف لم يعد يستحق كل ذلك، نجاح سعينا إليه سنوات لكنه لم يمنحنا السلام، أشخاص أحببناهم لكننا لم نمنحهم من وقتنا ما يكفي، كلمات كان يجب أن نقولها وتركناها معلقة ونحن نردد ليس الآن.
ولهذا فإن السؤال الذي يتركه تولستوي في داخلنا ليس سؤالًا عن الموت بل عن الحياة، هل الحياة هي أن نحقق ما نريده؟ أم أن نعرف قبل ذلك ما الذي يستحق أن نريده؟
ليست الحياة الحقيقية ربما أن نعيش بلا أخطاء فالخطأ جزء من كوننا بشرًا، المأساة الحقيقية أن نستمر في السير في طريق لا يشبهنا فقط لأننا لا نريد الاعتراف بأننا أخطأنا.
أن تتوقف ليس ضعفًا، أن تعيد النظر في اختياراتك ليس فشلًا، أن تعترف بأنك تغيرت ليس تناقضًا، ربما تكون هذه هي بداية الحياة الحقيقية، أن ننتبه، أن ننتبه إلى الوقت وهو يمر، إلى الأشخاص الذين نحبهم قبل أن يصبحوا ذكرى وإلى أنفسنا قبل أن نبتعد عنها كثيرًا.



















